الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ نوفمبر-٢٠٢٦       2090

بقلم- د. سعيد بن فايز الشريف
خدمة الوطن تكاد تكون من أسمى أنواع الشرف التي يحظى بها الإنسان خلال حياته، وخدمة مكة المكرمة شرف مضاعف وقد تشرفت بأن أكون عضوًا في لجنة التعليم الأهلي والتدريب بالغرفة التجارية بمكة المكرمة في إحدى دوراتها، وأن أكون جزءًا من منظومة عمل ظننت منذ البداية أنها مساحة لصناعة الحلول، ونقل صوت الميدان، والمساهمة في تطوير قطاع التعليم الأهلي، بما يخدم الوطن النسيج المجتمعي لأهل مكة المكرمة. لكن ما رأيته عن قرب جعلني أتساءل:
هل وُجدت لجنة التعليم الأهلي والتدريب لمناقشة المشكلات فقط، أم لصناعة الحلول واستشراف المستقبل؟ وهل دورها البحث عن الثغرات في القرارات، أم البحث عن المعالجات التي تحقق المصلحة العامة؟
هذا السؤال لا أطرحه من موقع المتفرج، وإنما من واقع تجربة ومشاركة ومشاهدة مباشرة لكواليس العمل.
ففي عدد كبير من الاجتماعات، كان النقاش ينصرف إلى البحث في القرارات واللوائح، ومحاولة اكتشاف الثغرات أو إيجاد المخارج الإجرائية للتعامل مع بعض الإشكالات، بينما كان البحث عن الحلول الجذرية والمقترحات التطويرية يأخذ مساحة أقل مما ينبغي.
ولا أعني بذلك أن مناقشة القرارات أو البحث في آثارها أمر غير مهم، بل إن الإشكال يكمن في أن يصبح البحث عن الثغرة في النظام هو محور النقاش، بدلًا من أن يكون الهدف هو معالجة المشكلة وتقديم حل يحفظ النظام ويحقق المصلحة العامة.
فهناك فرق كبير بين البحث عن ثغرة في القرار للالتفاف عليه، والبحث عن فجوة في القرار لمعالجتها وتطويره.
وهنا تكمن مسؤولية اللجنة؛ فالأنظمة والقرارات الوزارية لم توضع لتعطيل مصالح الناس، كما أن الالتزام بها لا يعني التوقف عن التفكير في تطويرها عندما يكشف الواقع أنها تحتاج إلى مراجعة أو تعديل.
لكن الأمر الذي يستحق التوقف عنده لا يتعلق فقط بطريقة مناقشة القرارات، بل يمتد إلى طبيعة الموضوعات التي كانت تحظى باهتمام اللجنة.
فقد غلب على جانب من أعمالها الطابع العلاجي، بمعنى أن الاهتمام كان يتجه إلى المشكلات القائمة والتحديات التي حدثت بالفعل، دون أن تقابله بالقدر الكافي رؤية مستقبلية تستشرف احتياجات قطاع التعليم الأهلي، وتدرس التغيرات المتوقعة، وتستبق التحديات قبل وقوعها. وهنا يبرز سؤال آخر:
أين موقع استشراف المستقبل من أعمال اللجنة؟ وأين المبادرات التي تدرس احتياجات التعليم الأهلي خلال السنوات القادمة؟ وأين الرؤى التي تضع تصورات لتطوير القطاع، بدلًا من الاكتفاء بمناقشة ما يواجهها اليوم؟
إن لجنة التعليم الأهلي والتدريب لا ينبغي أن تكون مجرد لجنة لمناقشة المشكلات التي تصل إليها، بل يفترض أن تكون منصة تفكير وتخطيط وتطوير، تستشرف مستقبل القطاع، وتطرح المبادرات، وتقدم توصيات استباقية تسهم في صناعة مستقبل أفضل للتعليم الأهلي.
فالتعليم الأهلي قطاع متغير، تتسارع فيه المتطلبات التعليمية والتقنية والاستثمارية، ولا يمكن أن تظل أعمال اللجنة أسيرة المشكلات اليومية، بينما يحتاج القطاع إلى رؤية تتجاوز الحاضر وتستعد للمستقبل.
أما الجانب الثالث، فهو طبيعة المشاركة المجتمعية والتخصصية في أعمال اللجنة.
فمن خلال ما لمسته، كان التوجه عند طرح بعض المشكلات ينصرف غالبًا إلى استدعاء الأطراف المرتبطة بالمشكلة مباشرة، وهو أمر مهم للاستماع إلى وجهة نظر أصحاب العلاقة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الحلول.
فالاستماع إلى صاحب المشكلة ضرورة، لكن الاستعانة بأصحاب الخبرة في التطوير والتخطيط والاستشراف ضرورة لا تقل أهمية.
ليس كل من يرتبط بالمشكلة قادرًا على صناعة حلها، وليس كل من يملك حق الحديث عنها يمتلك بالضرورة رؤية تطويرها؛ ولذلك فإن قيمة اللجان تظهر في قدرتها على جمع أصحاب التجربة مع أصحاب الخبرة والرؤية.
إننا بحاجة إلى توسيع دائرة المشاركة، والاستفادة من خبرات المتخصصين في التعليم والإدارة والتطوير المؤسسي والاستثمار، وأصحاب التجارب الناجحة، ممن يستطيعون النظر إلى التحديات من زوايا مختلفة، وتقديم حلول تتجاوز حدود المشكلة الآنية. فاللجنة الناجحة لا تكتفي باستدعاء من له علاقة بالمشكلة، بل تبحث أيضًا عمن يمتلك القدرة على تطوير الواقع واقتراح البدائل وصناعة المستقبل.
هذا المجال.
وما أكتبه اليوم ليس اعتراضًا على أشخاص، ولا انتقاصًا من جهود أحد، بل هو شهادة من واقع تجربة، وقناعة بأن اللجان وجدت لخدمة القطاع الذي تمثله، وأن نجاحها الحقيقي يبدأ من قدرتها على التعبير عن احتياجات تلك القطاعات والمساهمة في تطويرها.
فمكة المكرمة تستحق أن تكون لجان غرفتها التجارية منصات فاعلة لصناعة المبادرات، واستشراف المستقبل، وابتكار الحلول، ونقل صوت القطاع الخاص إلى صانع القرار بصورة مهنية ومسؤولة.
نريد لجنة لا تبحث عن (الثغرات في القرارات) بقدر ما تبحث عن فرص تطويرها، ولا تنتظر المشكلات حتى تناقشها، بل تستبقها بالرؤية والتخطيط، ولا تكتفي باستدعاء من يرتبط بالمشكلة، بل تستعين بمن يمتلك القدرة على تطوير القطاع وصناعة مستقبله.
نريد لجنة تسمع الميدان، وتفهم معاناته، وتتبنى رؤيته، وتفتح أبوابها لأصحاب الخبرة والفكر والتطوير؛ لتكون حلقة وصل مؤثرة بين واقع القطاع وطموحات صُانع القرار.
وهنا فقط تتحول اللجان من غرف للاجتماعات ومناقشة المشكلات إلى منصات لصناعة الحلول واستشراف المستقبل.
وهذا هو الفرق بين من يؤدي عضوية لجنة، ومن يشعر فعلًا بمسؤولية تمثيل قطاع وخدمة وطن؟!