الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ اكتوبر-٢٠٢٦       4675

بقلم : د. عبدالواحد الحركان

كنت، وما زلت، أؤمن بعبارة طالما رددتها: «دع عملك يتحدث عنك». وما زلت أراها من أنبل المبادئ المهنية؛ فالعمل الحقيقي هو الذي يمنح الإنسان قيمته، ويبني سمعته على أساس متين. لكن السنوات، بما حملته من تجارب ولقاءات واحتكاك ببيئات عمل مختلفة، علّمتني أن هذه العبارة، على صدقها، لا تكفي وحدها. فقد كنت أظن أن جودة العمل كفيلة بأن تعرّف بصاحبها، ثم رأيت أن الأعمال المميزة لا تتحدث عن نفسها دائماً بالقدر الذي نتخيله، وأنها تحتاج أحياناً إلى من يبرزها، ويحرص على أن تصل إلى من يعنيه أمرها.

ولعل هذا المعنى يلتقي مع عبارة تُنسب إلى معالي الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله: «أنا بالتأكيد أحب الظهور.. إذا كنت تقوم بأعمال مجيدة لا يراها الناس، فأنت كمن يغمز في الظلام!». والمقصود، كما أفهمه، ألا يبقى العمل الجيد بعيداً عن أعين من يمكن أن يقدّره أو يستفيد منه، لا الظهور لذاته. فالإنجاز يحتاج أحياناً إلى أن يُرى، بشرط أن يكون ما نُظهره انعكاساً لما نملكه فعلاً، لا بديلاً عنه. وقد تناول عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان هذه المسألة قبل أكثر من ستين عاماً في كتابه «تقديم الذات في الحياة اليومية»، حين بيّن أن الناس يديرون باستمرار الانطباع الذي يتركونه لدى الآخرين، وأن ذلك جزء طبيعي من الحياة الاجتماعية. فالسؤال الحقيقي يتعلق بصدق ما نقدّمه عن أنفسنا، أكثر مما يتعلق بتقديمنا أنفسنا من عدمه.

وخلال مسيرتي رأيت نماذج مختلفة. رأيت أشخاصاً يملكون معرفة حقيقية وإنجازات تستحق التقدير، ويجيدون في الوقت نفسه التعريف بأعمالهم، فكانت الصورة التي قدّموها انعكاساً صادقاً لما يملكونه، وحصلوا على فرص كانوا يستحقونها بالفعل. ولم أرَ في ذلك ما يدعو إلى الانتقاد، فهذه مهارة أصبحت اليوم جزءاً من متطلبات الحياة المهنية.

وعرفت في المقابل أشخاصاً يملكون معرفة عميقة وخبرة حقيقية، لكنهم كانوا يعتقدون أن جودة العمل وحدها كافية. لم يكن ينقصهم الإنجاز؛ كان ينقص إنجازهم أن يُرى، فضاعت عليهم فرص كانوا أولى بها، وربما ذهبت إلى من هو أقل منهم.

ورأيت كذلك نماذج امتلكت مهارة لافتة في تقديم نفسها، حتى رسمت عن نفسها صورة أكبر من حقيقة ما تملكه من معرفة أو خبرة أو قدرة على الإنجاز، فحصلت على فرص لم يكن الإنجاز وحده هو الذي أوصلها إليها.

وفي الغالب لا تصمد الصورة طويلاً حين تبدأ المسؤوليات الحقيقية ويصبح الإنجاز معيار الحكم. عندها يتراجع أثر الانطباع الأول، ويظهر الفرق بين من كانت صورته انعكاساً لحقيقته، ومن رسم لنفسه صورة أكبر منها. غير أن الواقع لا يحسم ذلك دائماً بالسرعة التي نتمناها. فبعض الصور المضخمة تعيش سنوات، خصوصاً في البيئات التي يصعب فيها قياس الإنجاز، أو التي تكافئ حسن العرض أكثر مما تكافئ جودة العمل. والمؤسسات تتحمل هنا جزءاً من المسؤولية؛ فحين تحكم بالانطباع، تدفع أصحاب الإنجاز الحقيقي إلى الظل، وتمنح الصورة المضخمة عمراً أطول مما تستحق.

وعندها أدركت أنني لم أكن مخطئاً، لكنني لم أكن أرى الصورة كاملة. فالعمل الحقيقي يظل الأساس الذي تُبنى عليه السمعة والثقة، لكنه لا يعفي صاحبه من مسؤولية التعريف به. وإبراز الإنجاز الحقيقي لا يتعارض مع التواضع، وقد أصبح مهارة مهنية تستحق أن نتعلمها ونطورها، حتى تصل أعمالنا إلى من يستطيع أن يقدّرها أو يدعمها أو يبني عليها، أو يفتح من خلالها فرصاً جديدة لنا ولمؤسساتنا. ومن أبسط صورها أن نوثّق ما أنجزناه بالنتائج لا بالأوصاف، وأن نشارك ما تعلمناه حين يفيد غيرنا، وأن ننسب الفضل إلى من شاركنا فيه.

فالإنجاز هو الذي يُبنى أولاً، ثم تأتي الصورة لتعكسه بصدق. أما الصورة التي تسبق الحقيقة، فقد تفتح باباً، لكنها لا تستطيع أن تُبقيه مفتوحاً إذا لم تجد ما يسندها. ولذلك، ابنِ الحقيقة أولاً، ثم طوّر مهارة التعريف بها بصدق ومهنية. فالصورة الصادقة لا تصنع الإنجاز، لكنها تساعده على أن يأخذ مكانه الذي يستحقه، وتذكّرنا في الوقت نفسه بأنه ليست كل صورة… حقيقة.