الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ اكتوبر-٢٠٢٦       2970

بقلم ـ د. غالب محمد طه

لفت انتباهي منشور للأستاذ الدكتور فواز بن عبدالعزيز اللعبون على منصة «إكس»، يقترح فيه على رجال الأعمال والمصارف تسديد قروض الجنود البواسل، أو المساهمة في تخفيفها، تقديرًا لتضحياتهم في حماية الوطن وأمنه ومكتسباته. وقد حظي المنشور بتفاعل واسع، جعلني أتساءل: ماذا لو تحول بعض هذا الإعجاب إلى فعل؟

 

بقيت أفكر فيما هو أبعد من سداد القروض. فما استوقفني في الفكرة أنها التفتت إلى ما وراء الزي العسكري؛ إلى الإنسان الذي قد يواجه الخطر بشجاعة، وفي قلبه همٌّ لا يعرفه أحد. فالجندي، مهما عظمت مسؤوليته، تظل له مشاغل الحياة التي نعرفها جميعًا، وربما كان أكثر ما يحتاج إليه أن يشعر بأن هناك من يتذكره ويتذكر أسرته.

 

هو يؤدي واجبه ليطمئن الناس، فمن يطمئن على بيته؟

 

أعادني هذا السؤال إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا»، وهو حديث متفق عليه.

 

وكلما تأملت الشطر الثاني من الحديث، وجدت فيه معنى عظيمًا للوفاء والتكافل؛ إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم رعاية أهل الغائب وإعانتهم بابًا من أبواب الخير. وما أحوجنا إلى استحضار هذا المعنى حين ينشغل إنسان بحماية الآخرين، ويحتاج هو إلى من يسانده ويطمئن على أسرته.

 

وفي تاريخنا الإسلامي شواهد خالدة على هذه الروح. فحين اشتدت الحاجة إلى تجهيز جيش العسرة، بادر عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الإنفاق بسخاء، في صورة تؤكد أن المال يمكن أن يكون عونًا للآخرين على أداء واجبهم. وهو معنى يتصل بقول الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]. فالمال الذي نحرص على جمعه وتنميته قد تكون أجمل ثماره في همٍّ أزاله، أو أسرة أعانها، أو إنسان أعاد إليه شيئًا من راحة البال.

 

وللمملكة العربية السعودية جهود مشهودة في رعاية شهداء الواجب والمصابين وأسرهم. غير أن ما استوقفني في مقترح الدكتور اللعبون أنه يفتح بابًا آخر للوفاء؛ أن تأتي المبادرة من المجتمع نفسه، من رجل أعمال أو مصرف أو محسن، بدافع المحبة والامتنان لمن تحملوا المخاطر من أجل أمن الناس وطمأنينتهم. وما أجمل أن يأتي هذا الوفاء دون طلب، وأن يشعر الجندي بأن من يسهم في حمايتهم يتذكرونه ويتذكرون أسرته، ويسعون من تلقاء أنفسهم إلى تخفيف ما يثقل حياته، إلى جانب ما يحظى به من رعاية واهتمام.

 

وقد يكون بيننا رجل أعمال يستطيع سداد دين جندي أثقلته الالتزامات، أو مصرف قادر على تخفيف عبء مالي عن أسرة شهيد، أو محسن يتكفل بتعليم أبناء مصاب. وليس مطلوبًا أن يكون كل عطاء كبيرًا، أو أن يعرف الناس اسم صاحبه. فبعض المعروف تزداد قيمته حين يصل إلى مستحقه في هدوء، بعيدًا عن الأضواء، حافظًا كرامته وخصوصيته.

 

وأنا أقرأ المنشور، تذكرت أيضًا أسرًا في السودان وبلدان عربية أخرى أنهكتها الحروب، وفقد بعضها عائلها أو مصدر رزقها. تختلف الظروف والأوطان، لكن الحاجة إلى الرحمة والوفاء لا تعرف الحدود، خصوصًا حين تدفع الأسر ثمن تضحيات لم تختر أعباءها.

 

وأتخيل جنديًا تصله رسالة من مصرفه تخبره بأن دينًا كان يشغل باله قد سُدّد. كيف سيكون شعوره؟ ربما يتصل بزوجته ليبشرها، وربما يبتسم في صمت، وربما يرفع يديه إلى السماء داعيًا لمن لم يعرف اسمه.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يسمعه جندي بعيد عن أسرته، وهو يؤدي واجبه في حماية وطنه، أن يجد من يقول له بالفعل قبل القول:

 

امضِ مطمئنًا في أداء واجبك، فأهلك في أعيننا، ولن نتركهم وحدهم.

وبالله التوفيق