الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ اكتوبر-٢٠٢٦       2805

بقلم-د. علي بن عالي السعدوني 

قراءة أسلوبية في بنية الفخر وتحولات الضمير وصراع العلو والانحناء.

ليست قصيدة (أنا البدوي) للشاعر فواز ابن لعبون تعبيرًا عابرًا عن الاعتزاز بالأصل والانتماء، وإنما هي خطاب شعري يتجاوز المعنى المباشر للفخر إلى بناء صورة إنسانية تتكئ على الذاكرة التاريخية وتستدعي رموز القوة والسيادة، ثم تعيد ترتيب العلاقة بين الذات والآخر من خلال لغة تقوم على التضاد والمواجهة واستحضار المكانة الاجتماعية بوصفها قيمة لا تقبل الانتقاص حتى تبدو القصيدة في بنيتها العميقة وكأنها محاكمة شعرية لنظرة متعالية تحاول أن تجعل البداوة مرتبة أدنى في سلم الحضارة، فيأتي الشاعر ليقلب هذه النظرة ويجعل من البداوة مصدرًا للكرامة ومقياسًا للشرف ودليلًا على الحضور التاريخي.
وتبدأ الخصوصية الأسلوبية للنص من عنوانه (أنا البدوي)، فالضمير المنفصل (أنا) لا يؤدي وظيفة التعريف بالمتكلم وحدها، وإنما ينهض بوظيفة تقريرية تحمل قدرًا من الاعتداد بالذات وتقديم الهوية بوصفها حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى شهادة من الآخر ثم تأتي كلمة (البدوي) معرفة بأل التعريف لتخرج من دلالتها الفردية إلى تمثيل هوية جمعية واسعة، وبذلك لا يعود المتكلم شخصًا يتحدث عن نفسه فحسب، وإنما يتحول إلى صوت يحمل موروث جماعة كاملة ويستدعي تاريخها وقيمها ومكانتها.
وأول ما يستوقف القراءة الأسلوبية أن القصيدة مبنية على حركة عمودية تبدأ من أعلى الجبال وتنتهي عند أسفل القدمين، وهي حركة تتجاوزحدود المكان لتكشف عن بناء رمزي للصعود والسيادة ومقاومة الانخفاض.
يقول الشاعر:
 أنا البدوي طلّاع الثنايا  
وجذري في عميق الأرض راسي
في هذا البيت تتشكل صورتان متقابلتان في الاتجاه ومتحدتان في المعنى فـ(طلّاع الثنايا) تحيل إلى الصعود واجتياز المرتفعات والمسالك الصعبة، بينما تنقلنا عبارة (عميق الأرض) إلى الامتداد في الأعماق والثبات في الجذور، وكأن الذات الشعرية لا تستمد قوتها من الارتفاع وحده ولا من الرسوخ وحده، وإنما من قدرتها على الجمع بينهما في صورة إنسان يصعد إلى القمم دون أن ينفصل عن الأرض التي تمنحه أصالته.
وتزداد هذه الصورة ثراءً باستعمال (طلّاع) على صيغة المبالغة، وهي صيغة تجعل الصعود صفة متكررة وطبعًا ملازمًا للشخصية وليست حادثة منفردة كما أن إسناد الرسوخ إلى (الجذر) يمنح الهوية امتدادًا يتجاوز عمر الفرد إلى زمن الأجداد، فيتولد من التقاء الصورتين معنى بالغ الدقة يتمثل في أن ارتفاع الإنسان لا يتحقق بالانقطاع عن جذوره، وأن عمق الانتماء لا يمنع صاحبه من اقتحام الآفاق.
ثم ينتقل الشاعر إلى قوله:
 أحقق ما أريد بحد سيفي 
 ولا أحني لغير الله راسي
ليعيد تشكيل الذات من خلال فعلين مضارعين هما (أحقق) و(أحني)، وكلاهما يسند الفعل إلى المتكلم ويجعل الإرادة الفردية مركزًا للحركة الشعرية، غير أن الأول يأتي مثبتًا ليعلن القدرة على الإنجاز وامتلاك أسباب القوة بينما يأتي الثاني منفيًا ليؤسس حدود الخضوع ويحدد الجهة الوحيدة التي تستحق الانحناء، وبذلك تصبح القوة في البيت محكومة بقيمة عقدية تمنع الذات من تصور استقلالها المطلق، وتضع فوق الاعتزاز الإنساني مرجعية إيمانية عليا.
والسيف في هذا السياق يتجاوز صورته أداةً للقتال إلى دلالة رمزية تتصل بالحسم والاقتدار والدفاع عن المكانة، أما الرأس فيتحول من عضو جسدي إلى علامة للكرامة، ولهذا فإن نفي الانحناء يكتسب قوته من استحضار الفعل الذي يرفضه المتكلم، فالشاعر لم يقل إنه عزيز أو كريم بصورة تقريرية مباشرة، وإنما اختار صورة جسدية تجعل القارئ يرى العزة في هيئة رأس مرفوع.
وتتجلى مهارة الصياغة في التقابل الصوتي والدلالي بين (راسي) في البيت الأول بمعنى الثابت المستقر، و(راسي) في البيت الثاني بمعنى رأسي، فالتشابه الصوتي والكتابي يجمع بين الرسوخ المادي والاعتزاز المعنوي، وكأن الشاعر ينقل ثبات الجذر في الأرض إلى ثبات الرأس في مواجهة الآخر، وهي علاقة أسلوبية دقيقة تمنح تكرار اللفظة وظيفة تتجاوز المحافظة على القافية.
ويقول:
 بداوة عنصري شرف ومجد
 وناسي في المكارم خير ناس
يتحول الفخر في هذا البيت من المجال المكاني والجسدي إلى المجال القيمي، فالبدواة لا تُقدَّم باعتبارها طريقة للعيش أو نمطًا اجتماعيًا مرتبطًا بالصحراء، وإنما يعاد تعريفها من خلال مفردتي (شرف) و(مجد)، وهما اسمان يحملان أحكامًا قيمية قاطعة ويخرجان الهوية من حدود الوصف إلى فضاء المفاضلة، ثم تأتي (المكارم) لتمنح هذا الاعتزاز سندًا أخلاقيًا يجعل مكانة الجماعة متصلة بأفعالها وخصالها.
وتبرز في عبارة (وناسي في المكارم خير ناس) ظاهرة التكرار الاشتقاقي والصوتي بين (ناسي) و(ناس) حيث تتقدم الجماعة في صورة القرب والانتماء قبل أن تظهر في صورة المفاضلة على الآخرين، فينتقل المعنى من علاقة المتكلم بأهله إلى حكمه بمكانتهم، وهذا الانتقال يجعل الذات الفردية والجماعة تتبادلان الشرعية، فالفرد يستمد اعتزازه من قومه ويمنحهم صوته في المقابل.
غير أن التحول الأسلوبي الأكثر حدة يقع في قوله:
وهذا في قفاك قديم وسمي 
أتذكر ميسمي أم أنت ناسي؟
فالشاعر يغادر أسلوب الفخر المباشر إلى أسلوب المخاطبة والمواجهة، ويتحول الآخر من طرف غائب يمكن استنتاجه من السياق إلى مخاطب حاضر يتلقى الكلام ويتعرض لسلطته الرمزية، وتتبدى هذه المواجهة في لفظة (قفاك) التي تحمل دلالة مكانية وجسدية شديدة الخصوصية؛ لأنها تنقل العلاقة من مستوى الاختلاف في المكانة إلى صورة رمزية للإذلال وإظهار الغلبة.
واختيار (الوسم) و(الميسم) يستدعي عالمًا دلاليًا وثيق الصلة بالثقافة البدوية حيث يرتبط الوسم بالعلامة والتملك والتعرف إلى الانتماء غير أن الشاعر يعيد توظيف هذا الموروث ليجعل منه علامة على تفوق تاريخي مزعوم على الخصم، فتغدو الذاكرة أشبه بأثر محفور في الجسد لا تستطيع السنون محوه.
أما الاستفهام في (أتذكر ميسمي أم أنت ناسي؟) فلا ينتظر جوابًا حقيقيًا؛ لأن غايته الحجاجية إحراج المخاطب وإجباره على مواجهة الماضي الذي يستحضره المتكلم، ويزيد التوتر الأسلوبي استعمال (ناسي) التي تعود صوتيًا إلى (وناسي) في البيت السابق مع اختلاف المعنى، فالأولى تدل على أهل الشاعر والثانية تدل على الغفلة والنسيان، وبذلك ينتقل الصوت نفسه من معنى الانتماء والاعتزاز إلى معنى التوبيخ والتعريض.
وهذه من أعمق حيل القصيدة الأسلوبية إذ يجعل الشاعر القافية الواحدة تستوعب موقفين متباعدين أحدهما تمجيد الذات والآخر تقريع الخصم.
ثم يقول:
 أطحت بقيصر وبعرش كسرى 
ونصّبت الملوك على الكراسي
تتسع الذات الشعرية في هذا البيت اتساعًا تاريخيًا كبيرًا فبعد أن كانت تصعد الثنايا وتعتز بالجذور أصبحت فاعلًا في تحولات الإمبراطوريات، ويتجسد هذا الاتساع في الفعلين الماضيين (أطحت) و(نصّبت)، وهما فعلان متضادان من حيث اتجاه الحركة؛ لأن الأول يفيد الإسقاط والإزالة بينما يفيد الثاني الإقامة والتمكين، وبذلك يقدم المتكلم نفسه بوصفه قوة تستطيع إنهاء سلطة وإقامة سلطة أخرى.
والدقة في هذا التركيب أن الشاعر لا يكتفي بالقول إنه هزم الملوك، وإنما يجمع بين الإطاحة والتنصيب ليؤكد امتلاك سلطة تقرير المصير السياسي، فتتحول صورة البدوي من الإنسان المتجذر في الصحراء إلى الإنسان الذي يسهم في صناعة التاريخ.
وهذا الاستحضار لا يصح أن يُقرأ باعتباره ادعاءً تاريخيًا حرفيًا بأن شخصًا بدويًا واحدًا أسقط الإمبراطوريتين، وإنما يقوم على انتقال المتكلم من ضمير الفرد إلى ضمير الجماعة التاريخية واستعارة منجزات الفتوحات الإسلامية لصالح بناء صورة شعرية جمعية، وهي مبالغة فخرية معروفة في الخطاب الشعري غير أن خصوصيتها في هذا النص تنبع من جعل الضمير المفرد يتكلم بلسان تاريخ ممتد.
وتستحق عبارة (بقيصر وبعرش كسرى) تأملًا إضافيًا، فالشاعر يقابل بين الشخص في (قيصر) والسلطة ممثلة في (عرش كسرى)، ليجمع بين إسقاط الحاكم وإسقاط رمز حكمه في بناء متوازٍ من حيث الوظيفة وغير متماثل من حيث الصورة، وهو تنويع يمنح التعبير اتساعًا أكبر من التكرار المباشر.
ثم يصل النص إلى خاتمته:
قديمك ليس أعرق من جديدي 
ورأسك ليس أكرم من مداسي
وهي خاتمة تحمل أعنف درجات المواجهة الأسلوبية؛ لأن الشاعر ينتقل من استحضار التاريخ إلى تقويض معيار المفاضلة نفسه، ففي قوله (قديمك ليس أعرق من جديدي) يقيم تقابلًا زمنيًا بين القديم والجديد ثم ينفي أن تكون الأسبقية التاريخية دليلًا كافيًا على علو المكانة، وكأنه يعترض على تحويل قِدم النسب أو الامتداد الحضاري إلى امتياز يمنح صاحبه حق التعالي على الآخرين.
وتكتسب هذه العبارة فرادتها من أنها لا تضع القديم في مواجهة قديم مماثل، وإنما تجعل (الجديد) قادرًا على مجابهة ما يزعم الآخر أنه مصدر أسبقيته، وفي ذلك قلب لميزان الزمن وتحويل له من حجة يستخدمها الخصم إلى معيار يفقد قيمته أمام الاعتزاز بالذات.
أما قوله (ورأسك ليس أكرم من مداسي) فيمثل الذروة الانفعالية للقصيدة إذ يجمع بين أعلى موضع في جسد الإنسان وهو الرأس، وأدنى ما يتصل بحركته وهو المداس ثم يعقد بينهما مقارنة صادمة تتعمد كسر التراتب المألوف بين العلو والانخفاض، فيغدو المداس الذي يفترض أن يكون في أسفل سلم القيمة أداة لتحدي رأس الآخر.
والمثير أسلوبيًا أن الشاعر بدأ القصيدة برأسه الذي لا ينحني، وأنهاها برأس الخصم الذي لا يمنحه امتيازًا على مداسه، ومن خلال هذا الانتقال يتبين أن الرأس ليس مفردة عارضة في النص، وإنما هو مركز رمزي تتحدد من خلاله العلاقة بين الكرامة والاستعلاء والخضوع.
ومع ذلك فإن القراءة النقدية تميز بين قوة الصورة وجدية حجتها؛ لأن استبدال المفاضلة المتعالية بمفاضلة مهينة لا يلغي منطق الاستعلاء تمامًا، وإنما يقلب اتجاهه فالشاعر ينجح في فضح غرور الخصم من خلال المبالغة الساخرة، لكنه ينتقل في خاتمته من الدفاع عن المساواة في الكرامة إلى التعبير عن تفوق ذاتي حاد، وهو توتر دلالي يمنح القصيدة حرارة المواجهة ويكشف في الوقت نفسه حدود خطاب الفخر عندما يصبح الهجاء وسيلته الأخيرة.
وعلى المستوى الصوتي تستند الأبيات إلى عودة صوت السين في نهاياتها، وهو صوت صفيري يتكرر مقترنًا بامتداد صوتي متقارب في (راسي) و(ناسي) و(كراسي) و(مداسي)، فتتشكل وحدة سمعية تربط الاعتزاز بالذات واستحضار التاريخ ومخاصمة الآخر كما تسهم الألفاظ ذات البنية الحسية الصلبة مثل (سيفي) و(وسمي) و(ميسمي) و(قفاك) في منح الخطاب ملمسًا خشنًا يلائم طبيعة المواجهة التي يبنيها الشاعر.
وتظهر خصوصية أخرى في الجمع بين معجمين متباعدين أحدهما ينتمي إلى البيئة البدوية مثل (الثنايا) و(السيف) و(الوسم) و(الميسم) و(المداس)، والآخر ينتمي إلى التاريخ السياسي والحضاري مثل (قيصر) و(كسرى) و(الملوك) و(الكراسي)، وهذا التداخل ليس مجرد جمع لمفردات مختلفة، وإنما يحقق الغاية المركزية للنص المتمثلة في إخراج البدوي من الصورة النمطية المحصورة في الصحراء وإدخاله إلى المجال التاريخي الذي تصنع فيه الأمم مصائرها.
ومن جهة البناء الحجاجي تتحرك القصيدة عبر ثلاث دوائر متتابعة تبدأ بإثبات الهوية وترسيخ شرعيتها من خلال الأصل والقوة والمكارم ثم تنتقل إلى استدعاء الذاكرة التاريخية بوصفها شاهدًا على القدرة والنفوذ، وتنتهي بمواجهة خطاب المفاضلة الاجتماعية ومحاولة إسقاط أسسه، وبهذا التدرج لا يكون الفخر انفعالًا معزولًا وإنما يصبح خطابًا يستهدف تغيير موقع المتكلم في تصور المخاطب.
وأصل القراءة الأسلوبية التي أقترحها أن هذه القصيدة يمكن فهمها من خلال ما أسميه (بلاغة الاتجاهات)؛ فكل صورة رئيسة فيها تتحرك إلى أعلى أو أسفل، أو تثبت في العمق أو تسقط من العرش، أو ترفع الرأس أو تضع المداس في مواجهة رأس آخر.
فـ(الثنايا) تمثل الارتفاع، و(عميق الأرض) يمثل الامتداد، و(لا أحني) تمثل مقاومة الانخفاض، و(قفاك) تمثل تحويل جسد الخصم إلى موضع للغلبة الرمزية، و(أطحت) تمثل إسقاط السلطة من مكانتها، و(نصّبت) تمثل رفعها مجددًا، ثم يأتي (المداس) ليغلق هذه الحركة عند أدنى موضع جسدي، وكأن القصيدة كلها مشغولة بإعادة توزيع المواقع بين الأعلى والأدنى، وبين من يملك حق الرفع ومن يرفض أن يكون موضعًا للإخضاع.
وهذا البناء يفسر لماذا تبدو مفردات الرأس والجذر والعرش والكرسي والمداس متباعدة في ظاهرها ومتصلة في عمقها، فهي جميعًا تشارك في رسم هندسة رمزية للمكانة الإنسانية، وتكشف أن الصراع الحقيقي في النص لا يدور حول البداوة بوصفها نمط حياة، وإنما حول السلطة التي يمتلكها الإنسان عندما يعرّف نفسه، أو يمنح الآخرين حق تعريفه وتحديد منزلته.
إن القيمة الأسلوبية لقصيدة (أنا البدوي) لا تكمن في قوة ألفاظها وحدها، وإنما في قدرتها على تحويل الهوية إلى حركة شعرية متصاعدة تبدأ بجذر ثابت في الأرض وتنطلق إلى أعالي الثنايا ثم تعبر ذاكرة الإمبراطوريات قبل أن تعود إلى جسد الإنسان لتجعل الرأس والمداس رمزين لصراع الكرامة والاستعلاء، وبذلك تتحول البداوة من صفة اجتماعية إلى شخصية خطابية تعيد كتابة موقعها في التاريخ، ويصبح الفخر في هذه الأبيات محاولة لاسترداد الاعتراف أكثر من كونه احتفاءً مجردًا بالماضي.
ولعل أعمق ما يميز هذا النص أن الشاعر لم يجعل الصحراء موضوعًا للحنين أو وصفًا للمكان، وإنما جعل الإنسان البدوي نفسه مكانًا تتقاطع فيه المكان والذاكرة والسلطة والكرامة، ولذلك يمكن اختصار المشروع الأسلوبي للقصيدة في عبارة واحدة:
إنها قصيدة تبدأ من ثبات الجذر، وترتفع بشموخ الرأس، وتستدعي سقوط العروش، ثم تنتهي بقلب موازين المكانة عند المداس؛ وكأن الشاعر لا يريد أن يقول من يكون البدوي فحسب، وإنما يريد أن يفرض على الآخر إعادة النظر في الموضع الذي وضعه فيه.