بقلم- امل بازيد
قرأت ذات مرة عبارة «الحزن الراقي»، فتوقفت عند ما تحمله من معنى؛ ذلك الوجع الذي يصون صاحبه خصوصيته، ويختار الصمت حين يعجز الكلام عن وصفه. لكن العبارة تركت في نفسي سؤالًا: هل يحتاج الحزن إلى هيئة متماسكة كي يستحق الاحترام؟
قد يسكن الألم خلف ملامح هادئة، ويمضي صاحبه في مسؤولياته دون أن يدرك الآخرون مقدار ما يحمله. يبتسم، ويؤدي عمله، ويشارك في الأحاديث، فيما يحتاج داخله إلى وقت يستوعب فيه ما حدث. وربما لم يظهر من حزنه سوى شرود عابر، أو فتور تجاه ما كان يبعث فيه البهجة. ولأن حضوره لم يتغير كثيرًا، قد يغيب عن المقربين أنه يحتاج إلى سؤال صادق، أو رفقة لا تُلزمه بالشرح.
ومن حق الإنسان أن يحتفظ بتفاصيل تجربته، وأن ينتقي من يأتمنه عليها؛ فليس كل مستمع أهلًا للبوح، ولا كل سؤال يمنح شعورًا بالأمان. غير أن هذا الحق لا يجعل الكتمان مقياسًا لعزة النفس، ولا يضع من يبكي أو يطلب المواساة في منزلة أدنى. للوجع طرائق مختلفة في التعبير، ولكل إنسان ما يعينه على احتماله.
وحين يثقل صخب الحياة، قد تمنح العزلة صاحبها فسحة يجمع فيها شتات نفسه، بعيدًا عن الأسئلة والتفسيرات. وقد يجد في الكتابة أو الفن لغة لما استعصى على القول. تكون هذه المساحة عونًا له حين يعود منها أقدر على مواصلة يومه؛ أما حين تضيق بها أيامه، ويتراجع تواصله مع من يحب، فإنها تستحق أن يراجع أثرها في حياته.
وقد تسبق الصمت خيبات متكررة، أو محاولات عتاب لم تجد استجابة، فيختار الإنسان مسافة تحفظ هدوءه. ومع التجربة، يتعلم أن يمنح المواقف حجمها، وأن يوجّه جهده إلى ما يستطيع إصلاحه. لكن انتهاء رغبته في الشرح لمن آلمه لا يعني انتهاء حاجته إلى من يسمعه؛ فقد يغلق باب العتاب، ويبقى في قلبه كلام يحتاج إلى مأمن.
هنا يستحق وصف «الحزن الراقي» شيئًا من التأمل. فالإعجاب الدائم بقدرة الإنسان على إخفاء ألمه قد يجعل التماسك واجبًا يثقل عليه. يعتاد أن يكون الشخص الذي يُستند إليه، ثم يتردد في طلب السند، خشية أن تتغير صورته في أعين من عرفوه قويًا. ومن الرفق به ألّا نجعل هدوءه دليلًا على اكتفائه، وأن نترك له مساحة يتعب فيها دون أن يشعر بأنه يخيّب توقعاتنا.
أما هو، فمن حقه أن يراجع ما يطلبه من نفسه، وأن يختار ما يخفف عنه دون حرج. قد يكفيه حديث قصير مع شخص أمين، أو وقت للراحة، أو مساندة يحتاج إليها ليعبر مرحلة أثقلته. فالخصوصية تتسع لوجود من يرافقنا، ولو لم يعرف الحكاية كاملة.
يبقى الحزن تجربة إنسانية تستحق الرحمة، أيًّا كانت هيئته. ولعل أصدق ما نمنحه لأنفسنا أن نصغي إلى حاجتها، فلا تصبح صورة القوة أغلى علينا من راحتنا، ولا يحول الصمت الذي اخترناه لحماية أرواحنا بيننا وبين الحياة.
همسة أمل
لست مطالبًا بشرح حزنك للجميع. اختر من تأمنه، وامنح مشاعرك مساحة دون حرج. وإن احتجت إلى سند فاطلبه؛ فعزة النفس تتسع للبوح، ولروحك حق في الراحة.