الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ اكتوبر-٢٠٢٦       16555

بقلم :تركي عبد الرحمن البلادي

المدينة المنورة ليست مدينة عابرة في الجغرافيا، ولا مجرد مساحة ترتبط بتاريخ مضى، بل هي مدينة تتداخل فيها الذاكرة بالدين، والثقافة بالإنسان، والتاريخ بالحياة اليومية. وكل زاوية فيها تحمل قصة، وكل طريق قديم يقود إلى معنى، وكل معلم يفتح نافذة على حقبة شكّلت جانبًا مهمًا من وجدان الأمة، حتى باتت المدينة نفسها كتابًا مفتوحًا يقرأه الزائر في تفاصيل المكان قبل أن يقرأه في صفحات التاريخ.

 

وحين نتحدث عن ثقافة المدينة المنورة، فإننا لا نتحدث عن موروث ساكن يُحفظ في الكتب والمتاحف فحسب، بل عن ثقافة حية تتنفس في تفاصيل المجتمع، وفي المجالس، والعادات، والحكايات المتوارثة، وأسماء المواقع والأحياء، وفي علاقة الإنسان المديني العميقة بمكانه وتاريخه. فالمدينة تمتلك شخصية ثقافية خاصة، تشكلت عبر قرون طويلة من العلم والتواصل الإنساني والتنوع، حتى أصبحت بيئة تحتضن الذاكرة وتحفظها وتعيد إنتاجها بصورة مستمرة.

 

ولم يكن الحضور الثقافي للمدينة مجرد توصيف محلي، بل حظي باعتراف يعكس مكانتها؛ فقد اختيرت المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2013، في مناسبة شهدت برامج وفعاليات ثقافية وعلمية متعددة، ثم عادت في عام 2017 لتتوج بلقب عاصمة السياحة الإسلامية. وهذه الاختيارات لم تأت من فراغ، وإنما جاءت انعكاسًا لما تمتلكه المدينة من إرث ديني وتاريخي وثقافي وحضاري متراكم عبر القرون.

 

فالمدينة منذ العهد النبوي كانت مركزًا للعلم والمعرفة، وقصدها العلماء وطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومنها خرجت مدارس علمية وفكرية تركت أثرًا ممتدًا في تاريخ الأمة. كما أن موقعها الروحي جعلها ملتقى للبشر والثقافات، فمر بها القادمون من مشارق الأرض ومغاربها، يحملون لغاتهم وعاداتهم وتجاربهم، ويغادرون منها وهم يحملون شيئًا من روحها وسكينتها وخصوصيتها.

 

واليوم، ومع ما تشهده المدينة المنورة من تطور عمراني وسياحي وثقافي كبير، تبرز أهمية أن يسير هذا التطور جنبًا إلى جنب مع المحافظة على هويتها وذاكرتها. فالمشروعات الحديثة مهمة، والبنية التحتية المتطورة ضرورة، لكن الأهم أن تبقى للمكان شخصيته، وأن يعرف الجيل الجديد تاريخ أحيائه، ومساراته القديمة، وأعلامه، ومجالسه، ومواقعه التي كانت يومًا شاهدًا على أحداث صنعت التاريخ.

 

كما أن الاستثمار في ثقافة المدينة ينبغي ألا يقتصر على المناسبات والفعاليات المؤقتة، بل يتحول إلى مشروع معرفي مستدام؛ من خلال المتاحف، والمسارات التاريخية، والمكتبات، والمنتديات الأدبية، والمعارض، والمحتوى الرقمي الذي يقدم تاريخ المدينة للأجيال الجديدة بلغة معاصرة وجذابة. فالثقافة عندما تتحول إلى تجربة يعيشها الناس، تصبح أكثر حضورًا وأعمق أثرًا.

 

وهنا تأتي مسؤولية المثقف والإعلامي والباحث في توثيق الذاكرة المدينية، بما فيها من قصص وشخصيات وأماكن وتقاليد ربما لا نجدها في الكتب، لكنها تعيش في ذاكرة أهل المدينة. وتوثيق هذه التفاصيل ليس ترفًا، بل حفظ لجزء من الهوية، وحماية لذاكرة المكان من الذوبان مع سرعة التحولات الحديثة.

 

فالمدن العظيمة لا تقاس فقط بما تبنيه من طرق ومبانٍ، بل بما تحفظه من ذاكرة، وما تصنعه من ثقافة، وما تتركه من أثر في الإنسان.

والمدينة المنورة، بتاريخها ومكانتها وإرثها الثقافي، ستظل ذاكرة مكان، ومنارة معرفة، وثقافة أمة.