الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ اكتوبر-٢٠٢٦       2805

بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني

لم يكن خطاب سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في إدانته استهداف المليشيا الحوثية للمقدسات وقاصدي الحرمين الشريفين مجرد موقف ديني يعبّر عن رفض العدوان ويستنكر انتهاك الحرمات، وإنما جاء خطابًا محكم البناء في لغته ومقاصده ومرجعياته الشرعية، تتقدم فيه الحجة على الانفعال وتنهض فيه المفردة بوظيفة تتجاوز معناها المعجمي إلى صناعة موقف أخلاقي راسخ في وجدان المتلقي، وتتآزر فيه سلطة النص القرآني مع قوة الاستشهاد النبوي واستحضار العاقبة التاريخية، ليصبح الخطاب في بنيته العميقة محاكمة أخلاقية للفعل العدواني تستمد أحكامها من حرمة الدماء وقدسية المكان وعظم الجناية.

وأول ما يستوقف القارئ في  لغة المفتي  اختياره عبارة (إن استهداف المليشيا الحوثية الإرهابية للمنشآت المدنية وإزهاق الأرواح المعصومة)، فقد افتتح القول بأداة التوكيد (إنّ) التي تمنح الجملة طابع التقرير وتدفع المعنى نحو الثبات في ذهن المتلقي، ثم اختار لفظ (استهداف) بما يحمله من دلالة القصد والتوجيه والتعمد، وأتبعه بعبارة (إزهاق الأرواح المعصومة) التي تنقل الجريمة من نطاق الاعتداء المادي إلى نطاق الانتهاك الشرعي لحرمة النفس الإنسانية، فالعصمة في هذا السياق ليست وصفًا لغويًا عابرًا وإنما قيمة فقهية وأخلاقية تجعل العدوان على الإنسان اعتداءً على حق أصيل كفلته الشريعة وصانته أحكامها.

وتتجلى براعة البناء الدلالي في انتقال المفتي من الحديث عن المنشآت المدنية والأرواح المعصومة إلى الحديث عن قاصدي المسجد الحرام والمسجد النبوي، إذ يتسع نطاق الإدانة ليشمل حرمة الإنسان والمكان والمقصد التعبدي في تركيب واحد، وتكتسب كلمة (قاصدي) أهمية خاصة لأنها لا تقدم الإنسان من خلال وجوده المكاني وحده وإنما من خلال غايته التي جاء من أجلها، فكأن اللغة تستحضر صورة الإنسان الذي خرج من بيته يريد الطمأنينة والعبادة والسكينة، ثم تجعل الاعتداء عليه عدوانًا يضاعف بشاعته ارتباطه بالمقدسات التي استقرت حرمتها في ضمير المسلمين.

أما قوله إن ذلك (من أعظم الجرائم التي توعد الله عز وجل عليها بالعذاب الأليم)، فيكشف عن استراتيجية حجاجية دقيقة تقوم على نقل المتلقي من توصيف الفعل إلى تقرير جسامته واستحضار جزائه، فعبارة (أعظم الجرائم) تمنح الحكم أعلى درجات التشديد الأخلاقي في سياق الخطاب، بينما تستدعي عبارة (العذاب الأليم) أفقًا دينيًا يتجاوز حدود العقوبات الدنيوية، وبذلك لا تبقى الجريمة محصورة في زمن وقوعها أو آثارها المادية وإنما تصبح مرتبطة بمسؤولية الإنسان أمام الله وما يترتب على انتهاك الحرمات من وعيد شديد.

وعندما يستشهد المفتي بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فإنه ينقل الخطاب من سلطة المتحدث إلى سلطة النص القرآني الذي يمثل المرجعية العليا في الوجدان الإسلامي، ويستثمر دلالة الفعل (يُرِدْ) الذي يثير الانتباه إلى خطورة الإرادة الآثمة المتعلقة بحرمة المسجد الحرام، ثم يعزز هذا البناء باستحضار الحديث النبوي في الوعيد لمن أراد أهل المدينة بسوء، فتتجاور المرجعيتان القرآنية والنبوية داخل نسق استدلالي واحد، وتصبح وظيفة الاقتباس الشرعي تأسيس الحكم الأخلاقي وإضفاء قوة إقناعية على الإدانة، لا مجرد تزيين العبارة بالنصوص الدينية.

غير أن أشد مواضع الخطاب تأثيرًا يتمثل في قول المفتي: (إنه عبر التاريخ ما سلك أحد مسلك هذه العصابة المجرمة من استهداف المقدسات واستهداف قاصدي بيته الحرام إلا كان مصيره الهلاك والعاقبة الوخيمة)، ففي هذه العبارة تتداخل بلاغة التوكيد مع بلاغة الحصر واستدعاء الذاكرة التاريخية، ويؤدي تركيب (ما... إلا) وظيفة بالغة الأهمية في توجيه ذهن المتلقي نحو نتيجة واحدة يقررها المتحدث، فيما تأتي عبارة (عبر التاريخ) لتمنح الحكم امتدادًا زمنيًا وتستحضر العبرة من مصائر المعتدين، وكأن الخطاب يريد أن يقول إن الجريمة مهما امتلك أصحابها من أسباب القوة فإنها لا تستطيع أن تمنحهم حصانة أخلاقية أو تعفيهم من عواقب أفعالهم، وهي صياغة وعظية قوية تتخذ من التاريخ شاهدًا معنويًا دون أن تكون في ذاتها دراسة استقرائية لجميع وقائعه.

ومن الدقائق البلاغية التي تستحق التأمل انتقال الخطاب من تسمية (المليشيا الحوثية الإرهابية) إلى وصف (هذه العصابة المجرمة)، فهذا التحول ليس تنويعًا لفظيًا يقصد به التخلص من التكرار وإنما انتقال من التعريف بالجهة التي ينسب إليها الفعل إلى تعميق إدانتها الأخلاقية، وتؤدي أسماء الإشارة والأوصاف المشحونة بالحكم وظيفة تقليص المسافة النفسية بين المتلقي والحدث، فيشعر القارئ أن القضية ليست خبرًا سياسيًا بعيدًا عن وجدانه وإنما اعتداء يمس قيمة دينية وإنسانية تستحق الحماية والصيانة.

ويكشف تكرار كلمة (استهداف) عن ملمح أسلوبي آخر تتجاوز فيه الإعادة حدود التأكيد اللفظي إلى تثبيت مركز الجريمة في الوعي، فالفعل يتكرر مع اختلاف متعلقاته ليجعل الاعتداء على المقدسات والاعتداء على قاصديها صورتين متصلتين في ذهن القارئ، بينما تتدرج المفردات من (الجريمة) إلى (العذاب الأليم) ثم (الهلاك) و(العاقبة الوخيمة)، في تصاعد دلالي يجعل اللغة تتحرك من توصيف العدوان إلى التحذير من المصير، وتمنح هذه الحركة الخطاب إيقاعًا نفسيًا متناميًا دون حاجة إلى الصخب اللفظي أو الإكثار من صور التهديد المباشر.

ويبلغ الخطاب غايته الوجدانية في خاتمته: (نسأل الله تعالى أن يقطع دابر هؤلاء المجرمين وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين)، إذ ينتقل المفتي من الجملة الخبرية التي تقرر الحكم إلى الجملة الإنشائية التي تتوجه بالدعاء، وهذا الانتقال يكشف أن المقصد النهائي لا يقف عند حدود الإدانة وإنما يتصل بحماية المجتمع وصيانة الأمن واستحضار المسؤولية الجماعية، وتؤدي صيغة الجمع (نسأل) وظيفة إشراك المتلقي في الموقف الوجداني، ثم تأتي عبارة (بلادنا وبلاد المسلمين) لتجمع بين الانتماء الوطني والامتداد الإسلامي في خاتمة تجعل حفظ الأمن وسلامة الإنسان غاية الخطاب ومقصده.

إن القيمة البلاغية في خطاب المفتي تكمن في قدرته على الجمع بين صرامة الحكم الشرعي وقوة التأثير الوجداني والتدرج المنطقي في بناء الحجة، فقد بدأ بتحديد الجريمة ثم أبرز خطورتها واستدعى النصوص الشرعية لتقرير حرمتها وانتقل إلى العبرة التاريخية قبل أن يختم بالدعاء، وبذلك تشكلت بنية حجاجية متماسكة لا تستمد قوتها من ارتفاع النبرة وإنما من ترتيب المعاني وتوجيه المفردات نحو مقصد واحد، وهو تعميق الوعي بحرمة الدماء والمقدسات وتجريم الاعتداء عليها.

وهكذا تكشف  لغة المفتي  أن قوة الخطاب الديني لا تقاس بحدة الألفاظ وحدها وإنما بقدرته على تحويل المبادئ إلى حجج مؤثرة والوقائع إلى مواقف أخلاقية راسخة، فقد جعل حرمة الإنسان أساس الإدانة وقدسية المكان مصدرًا لتعظيم الجناية والنص الشرعي مرجعية للحكم والتاريخ مجالًا للاعتبار والدعاء خاتمة جامعة، فخرج خطابه من حدود التصريح المرتبط بواقعة معينة إلى معنى أوسع يؤكد أن المقدسات لا تنفصل حرمتها عن حرمة قاصديها، وأن أمن الإنسان وسلامة العبادة وصيانة الدماء قيم لا يجوز أن تكون عرضة للعدوان أو الترويع أو العبث.