الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       4290

وائل سعود العتيبي – جدة- النهار

اختتم المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي والجينومي 2026 أعماله في جدة، بعد يومين من النقاشات العلمية المتخصصة حول توظيف علم الجينوم في التشخيص والوقاية والعلاج، تحت عنوان «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم»، بمشاركة أطباء وباحثين ومختصين من المملكة وخارجها، وببرنامج شمل تسع جلسات علمية وأربع ورش عمل تناولت أحدث التطورات في الطب الوراثي والجينومي.

وعكس البرنامج العلمي انتقال علم الجينوم من مرحلة اكتشاف المتغيرات الجينية إلى توظيفها في الممارسة السريرية، بدءًا من فحص حديثي الولادة والجينوم قبل الولادة، مرورًا بالتشخيص الجزيئي للأمراض الوراثية والاستقلابية والأورام، وصولًا إلى العلاجات الدقيقة والصيدلة الجينية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجينومية.

وركزت جلسات الفحص الوراثي على أهمية اكتشاف الأمراض الوراثية والاستقلابية في مراحل مبكرة، خصوصًا لدى حديثي الولادة، بما يتيح التدخل قبل ظهور المضاعفات. كما ناقشت الطفرات الجديدة De novo mutations، التي تظهر لدى الطفل من دون أن تكون موروثة مباشرة من الوالدين، مع بحث العلاقة بين تقدم عمر الأب وزيادة بعض هذه الطفرات، والتأكيد على أهمية تفسير النتائج ضمن السياق السريري والاستشارة الوراثية.

وفي مجال طب الجنين، تناول المؤتمر نماذج الأجنة القائمة على الخلايا الجذعية، والرعاية متعددة التخصصات، والفحص غير الجراحي NIPT وتشخيص الأمراض الوراثية أثناء الحمل. ويستخدم NIPT لتقدير احتمالات وجود بعض الاختلالات الكروموسومية عبر تحليل المادة الجينية الجنينية في دم الأم، مع التأكيد على أنه اختبار فحص وليس تشخيصًا نهائيًا، وأن النتائج مرتفعة الخطورة قد تتطلب فحوصًا تشخيصية مؤكدة وفق الحالة والتقييم الطبي.

كما ناقشت جلسات التشخيص الفحص الجيني قبل زرع الأجنة، والتشخيص الجزيئي لضمور العضلات الشوكي SMA وضمور العضلات الدوشيني DMD، إضافة إلى المظاهر العينية والشعاعية للأمراض الوراثية والاستقلابية. وتزداد أهمية التشخيص الجزيئي مع تطور العلاجات الموجهة، إذ يمكن لتحديد المتغير الجيني وآلية المرض أن يؤثر في خيارات التدخل وإدارة الحالة في بعض الأمراض.

وفي محور الطب الجينومي السريري، تناول المشاركون إعادة تقييم الحالات غير المحلولة باستخدام التسلسل الكامل للجينوم، وتفسير المتغيرات الجينية والمعلوماتية الحيوية والصيدلة الجينية. ويظل تفسير المتغيرات تحديًا رئيسيًا؛ فوجود تغير جيني لا يعني بالضرورة أنه مسبب للمرض، وقد تصنف بعض النتائج ضمن VUS، أي «متغيرات ذات دلالة غير مؤكدة»، إلى حين توافر أدلة كافية لإعادة تصنيفها.

وتناول المؤتمر كذلك تطبيقات الصيدلة الجينية في دراسة أثر الاختلافات الوراثية في استجابة المرضى لبعض الأدوية، بما قد يدعم اختيار الدواء أو الجرعة في الحالات التي تسمح فيها الأدلة العلمية بتطبيق هذا النهج.

وفي طب الأورام، ناقشت إحدى الجلسات تقنيات Multi-omics وتسلسل الخلية الواحدة في سرطان الثدي، إلى جانب الخزعة السائلة والمستجدات الجينومية في أورام الدم. وتوفر تقنيات تسلسل الخلية الواحدة قدرة أكبر على دراسة الاختلافات بين الخلايا داخل الورم، فيما تجمع Multi-omics أكثر من طبقة من المعلومات البيولوجية لفهم تغاير الأورام وآليات تطورها ومقاومتها للعلاج. كما تتيح الخزعة السائلة دراسة مؤشرات جزيئية في الدم، ومنها ctDNA، مع اختلاف تطبيقاتها السريرية بحسب نوع الورم والحالة، ودون أن تحل محل الخزعة النسيجية أو التصوير بصورة شاملة.

وفي العلاجات الدقيقة، استعرض المؤتمر تطبيقات العلاج الجيني وبعض الأمراض الوراثية والاستقلابية النادرة، إضافة إلى الأهداف العلاجية الجزيئية في الأورام. ويعكس ذلك تحولًا نحو ربط العلاج بالخصائص الجزيئية للمريض والمرض، عندما تتوافر خيارات علاجية وأدلة علمية تدعم هذا التوجه.

وحضر الذكاء الاصطناعي ضمن محاور المؤتمر باعتباره أداة لتحليل الحجم المتزايد من البيانات الناتجة عن تقنيات WGS وWES وRNA sequencing وSingle-cell وSpatial omics، والمساعدة في اكتشاف الأنماط وربط البيانات الجينية بالبيانات السريرية وترتيب الاحتمالات. إلا أن استخدام هذه الأدوات لا يلغي الحاجة إلى التفسير الطبي المتخصص، كما يفرض التعامل مع البيانات الجينية تحديات متقدمة في الخصوصية والموافقة المستنيرة والحوكمة، خصوصًا أن بعض المعلومات الوراثية قد تمتد دلالتها إلى أفراد الأسرة.

وتكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة في المملكة مع توسع مشاريع علوم الجينوم، وفي مقدمتها برنامج الجينوم السعودي، الذي يستهدف توظيف المعلومات الجينية في الوقاية والتشخيص والعلاج، وتطوير البنية الوطنية للبيانات والمعلوماتية الحيوية. كما يمثل بناء مراجع جينومية أكثر تمثيلًا للسكان السعوديين عنصرًا مهمًا في تحسين اكتشاف المتغيرات الجينية وتفسيرها، لا سيما في الأمراض الوراثية.

وأكدت ورش العمل أن الانتقال من المعرفة الجينومية إلى الرعاية الصحية لا يعتمد على المختبر وحده، بل يحتاج إلى كوادر متخصصة ومعلوماتية حيوية وبنية تحتية للبيانات واستشارات وراثية وأطر واضحة للحوكمة. وشملت الورش الطوارئ الاستقلابية والتدبير الغذائي لبعض الأمراض الوراثية، إلى جانب الجوانب التطبيقية للتشخيص والاستشارة الوراثية.

وفي الجانب المجتمعي، اختُتم البرنامج بجلسة توعوية حول الأمراض الوراثية، تناولت أهمية الكشف والتشخيص والاستشارة الوراثية، بمشاركة الدكتورة ودّ مجدلي وعدد من المختصين، في تأكيد على أهمية ربط التقدم التقني بفهم المرضى والأسر لمعنى النتائج الجينية وحدودها.

وشهد ختام المؤتمر تكريم الفائزين بأفضل ثلاثة ملصقات وأبحاث علمية، حيث حصل بحث فريق جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية كاوست بعنوان «NanoRangerTM Enables Rapid Single-Base-Pair Resolution of Genomic Disorders» على المركز الأول، وقدم تقنية تعتمد على التسلسل طويل القراءة لتحديد التغيرات الجينية المعقدة بدقة عالية. وأعد البحث Yingzi Zhang وChongwei Bi وSeba Nadeef وSateesh Maddirevula وMashael Alqahtani وFowzan S. Alkuraya وMo Li.

وجاء في المركز الثاني بحث الدكتورة Dania Awata وفريقها من جامعة حمد بن خليفة في قطر، بعنوان «Mapping the circular RNA landscape in breast cancer highlights its diagnostic and therapeutic potential in Triple Negative Cancer»، الذي بحث دور الحمض النووي الريبي الدائري في سرطان الثدي الثلاثي السلبي وإمكاناته التشخيصية والعلاجية.

وحصل على المركز الثالث بحث من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة بعنوان «Targeted Molecular Characterization and In Silico Functional Assessment of TP53 Variants in Saudi Patients with Diffuse Large B-Cell Lymphoma»، وأعده فريق ضم عبدالله الرحماني وصابرين بخاري وأسماء العطاس ورؤى قدم وصفاء الدهلوي وPeter Natesan Pushparaj ودعاء القعيدي وعائشة العليمي وهبة الخطابي، وتناول التغيرات الجينية في TP53 لدى مرضى سرطان الغدد الليمفاوية المنتشر كبير الخلايا البائية، وأهميتها المحتملة في توصيف الخصائص الجزيئية للمرض.

وسلّمت رئيسة الجمعية السعودية للطب الوراثي المستشارة علياء قاري ورئيس المؤتمر الدكتور خالد الوسية شهادات التكريم للفائزين، فيما كان مدير مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة الدكتور صلاح باز قد رعى افتتاح المؤتمر ظهر الأربعاء الماضي.

ويؤكد ما طرحه المؤتمر أن القيمة السريرية للجينوم لا تتوقف عند إنتاج البيانات الجينية، بل تبدأ من القدرة على تفسيرها وربطها بالتاريخ المرضي والبيانات السريرية وتحويلها، عند توافر الأدلة والخيارات المناسبة، إلى قرار تشخيصي أو علاجي أكثر دقة. وهو ما يلخص التحول الذي يعبّر عنه عنوان المؤتمر: من التشخيص إلى العلاج.