بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني
جاء بيان سماحة مفتي عام المملكة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان الموجّه إلى المرابطين وقوات التحالف بلغة شديدة الوعي بطبيعة المخاطَب واللحظة التي يتوجه فيها إليه، فهي لا تدخل إلى الميدان من مفرداته العسكرية المباشرة، ولا تجعل الخصم أول ما يراه المتلقي في النص، وإنما تبدأ بتأسيس الأرض التي ستقف عليها الحجة كلها ثم تنتقل من العقيدة إلى الوطن، ومن الوطن إلى المقدسات، ومن المقدسات إلى المرابط، ومن بناء المرابط نفسيًا إلى توجيهه سلوكيًا ثم من وحدة الصف إلى توصيف الخصم قبل أن تنتهي بمعجم مختلف تمامًا هو معجم الأمن والاستقرار والرخاء والتنمية، وهذا التدرج يكشف أن اللغة لم تكن وعاءً محايدًا للأفكار، وإنما كانت جزءًا من صناعة الموقف نفسه تختار مفرداتها وضمائرها وأفعالها وصورها بحسب الوظيفة التي تريدها في كل مرحلة من مراحل الخطاب.
وأول ما يلفت في لغة البيان كثافة المعجم الديني الذي يبدأ من الاستهلال ولا يغادر النص تقريبًا(الله، الإسلام، كتاب الله، سنة رسوله، الحرمين الشريفين، البيت العتيق، مسجد رسول الله، الحج، العمرة، القربات، مرضاة الله، الصبر، المرابطة، الأجر، الفوز العظيم)، وهذا الحضور الكثيف لا يؤدي وظيفة دينية عامة فقط، وإنما يصنع المجال الدلالي الذي يريد الخطاب أن تُقرأ داخله القضية كلها، فالوطن يدخل إلى هذا المجال من بوابة المقدسات، والمرابط يدخل إليه من بوابة الأجر، والطاعة تدخل إليه من بوابة النص القرآني، ووحدة الصف تدخل إليه من قوله تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وبذلك تتوزع المرجعية الدينية على أجزاء الخطاب بدل أن تبقى محصورة في مقدمته، فيشعر المتلقي أن كل مرحلة من مراحل الرسالة موصولة بالأصل الذي بدأت منه.
ويقابل هذا المعجم الديني معجم وطني وأمني وعسكري تظهر فيه كلمات (المملكة العربية السعودية، البلاد، الوطن، الكيان، الحدود، المرابطون، العدوان، الميدان، قوات التحالف، الأمن، الاستقرار، القيادة) غير أن اللافت في بنية النص أن المعجمين لا يسيران في خطين منفصلين، فلا توجد فقرة دينية تنتهي ثم تبدأ بعدها فقرة وطنية لا علاقة لها بها، وإنما يحدث بينهما تداخل مستمر، فـ(المرابطة على حدوده) تأتي بعد الحديث عن الحرمين، و(صد العدوان عنه) يأتي بعد بناء قيمة الوطن، و(السمع والطاعة) يأتي مقرونًا بالاستشهاد القرآني، و(الميدان) يجاور الحديث عن صحابة النبي، وهذا التداخل يجعل الديني والوطني والأمني يتحرك في شبكة واحدة، ويمنح الخطاب قدرته على نقل المتلقي من مجال إلى آخر دون أن يشعر بانقطاع المعنى.
ويكشف استعمال الضمائر جانبًا دقيقًا من صناعة القرب والبعد في الخطاب، فالمفتي عندما يتحدث عن الوطن يستخدم ضمير الجماعة في (علينا) و(بلادنا) و(ولاة أمرنا)، وعندما يصل إلى المرابطين يقول (أبناءنا المرابطين)، وعندما ينتقل إلى قوات التحالف يقول (إخواننا)، وهذه الضمائر لا تحيل إلى الأشخاص فقط، وإنما ترسم دوائر الانتماء داخل النص، فـ(نا) في (بلادنا) تجعل الوطن ملكًا معنويًا للجماعة، و(أبناؤنا) تجعل المرابط داخل البيت الرمزي للجماعة لا على هامشه، و(إخواننا) توسع دائرة القرب لتشمل قوات التحالف، ثم تتغير اللغة عند الحديث عن الخصم، فينتقل الخطاب من ضمير القرب إلى ضمير الغياب والإشارة البعيدة في (تلكم جماعة الحوثي)، وكأن الضمير نفسه يرسم المسافة يقرب جماعة الخطاب بكلمات الأبناء والإخوان، ويدفع الخصم إلى الطرف المقابل بأداة الإشارة (تلكم)، وهذه مفارقة لغوية صغيرة في ظاهرها لكنها شديدة الدلالة في صناعة الهوية داخل النص.
وتظهر دقة الاختيار المعجمي أكثر في وصف المرابط، فالبيان لا يستخدم كلمة (الجندي) استخدامًا مركزيًا، ولا يبني صورته من مفردات السلاح والقوة والقتال، وإنما يختار له كلمة (المرابط)، وهي كلمة ذات ذاكرة دينية أوسع من معناها العسكري المعاصر تحمل معنى البقاء على الثغر والثبات والحراسة، ثم يحيطها بمعجم (الصبر والمصابرة والمرابطة، الفضل، الأجر، الاستبشار)، وبذلك يعيد تشكيل صورة المخاطَب لغويًا، فلا يصبح رجلًا يحمل السلاح فقط، وإنما إنسانًا يحمل معنى، وهذه واحدة من أهم خصائص الخطاب، لأن اختيار الاسم الذي نصف به الإنسان يحدد في جانب كبير الصورة التي نريد أن يراها لنفسه.
وتزداد هذه الصورة قوة من خلال التدرج الصرفي والدلالي في قوله (اصبروا وصابروا ورابطوا)، فالأفعال الثلاثة متقاربة في بنيتها الصوتية لكنها ليست تكرارًا لمعنى واحد، فالصبر يبدأ من الذات وقدرتها على الاحتمال، والمصابرة تفتح المعنى على طرف آخر يحتاج الإنسان إلى أن يكون أثبت منه، والمرابطة تنقل الثبات من الحالة النفسية إلى الموقع والفعل والاستمرار، ولذلك تتحرك العبارة من الداخل إلى الخارج من صبر النفس إلى مصابرة الخصم إلى البقاء على الثغر، وهذا التدرج يمنح الكلمات الثلاث قوة لا تتحقق لو اكتفى الخطاب بفعل واحد منها.
كما يعتمد البيان بكثافة على صيغة الأمر، (اصبروا، صابروا، رابطوا، اتقوا، اعتصموا، وحدوا، تطاوعوا، اجمعوا، كونوا) غير أن الأمر لا يأتي في أول الخطاب، وهذه ملاحظة مهمة في ترتيب اللغة، فالبيان يقضي مساحة طويلة في بناء قيمة الوطن وفضل المرابطة قبل أن تتكاثر فيه الأوامر، وكأن اللغة تعرف أن الأمر يكون أكثر قابلية للتلقي عندما تسبقه القناعة، ولهذا ينتقل البيان من الجمل الخبرية التي تقول للمخاطَب ما قيمة وطنه وما فضل مرابطته إلى الجمل الإنشائية التي تقول له ماذا يفعل، فيتحول النص تدريجيًا من لغة بناء الوعي إلى لغة بناء السلوك، وهذه الحركة بين الخبر والإنشاء من أهم أدواته في التأثير.
ويقابل صيغة الأمر حضور واضح لألفاظ التفضيل والتعظيم، مثل (من أعظم الواجبات)، و(أفضل القربات)، و(فضل أيما فضل)، و(أجر أيما أجر)، و(ثغر عظيم)، و(مهمة شريفة جليلة)، وهذه الكلمات ترفع قيمة الأشياء والأفعال داخل الخطاب، فالمرابطة ليست واجبًا فقط وإنما من (أعظم الواجبات)، والمهمة ليست مهمة فقط وإنما (شريفة جليلة)، والثغر ليس موقعًا وإنما (ثغر عظيم)، وهذا التصعيد في الصفات يعمل على تكبير المهمة في وعي المخاطَب، ويمنحها وزنًا نفسيًا يتناسب مع مقدار ما يطلب منه من صبر وثبات.
وللتكرار في البيان وظيفة واضحة، لكنه ليس تكرار الكلمة نفسها دائمًا، وإنما كثيرًا ما يأتي في صورة تراكم دلالي (اجتماع الكلمة، ووحدة الصف)، (الصبر والمصابرة والمرابطة)، (فضل أيما فضل، وأجر أيما أجر)، (وحدوا صفوفكم، وتطاوعوا فيما بينكم، واجمعوا كلمتكم)، (أمن وأمان، ورخاء واستقرار)، (نهضة وتنمية وتماسك)، ففي كل سلسلة معنى مركزي واحد تدور حوله الكلمات، لكنها لا تقف في الموضع نفسه، وإنما توسع دائرته وتزيده كثافة، فالاجتماع يتسع إلى وحدة الصف، والأمن يتسع إلى الأمان ثم الرخاء والاستقرار، والتنمية تنضم إليها النهضة والتماسك، ولذلك يكتسب الخطاب إيقاعه من تراكم المعاني بقدر ما يكتسبه من تشابه الأصوات.
ويظهر التوازي التركيبي بصورة جميلة في بعض العبارات، وأوضحها (أفسد في البلاد، وفرّق العباد)، فالتقارب الصوتي بين (البلاد) و(العباد) يمنح العبارة جرسًا سريعًا بينما يربط المعنى بين فساد المكان وتفريق الإنسان، فلا يصبح الضرر في منطق الخطاب واقعًا على الدولة وحدها ولا على المجتمع وحده، وإنما يمتد إلى الاثنين معًا، ثم تتبعها أفعال (خرج) و(رام) فتتراكم الأفعال المنسوبة إلى الخصم قبل أن يرد اسمه، وهذه طريقة لغوية تجعل الفعل يسبق الفاعل في وعي المتلقي، فيعرفه بما ينسب إليه الخطاب قبل أن يسميه.
ومن أكثر المواضع دلالة في بناء الخصم عبارة (تلكم جماعة الحوثي)، فاسم الإشارة يأتي بعد سلسلة طويلة من الصفات والأفعال، وليس قبلها، وهو ما يجعل التسمية أشبه بالنتيجة لما سبقها، فالخطاب يرسم أولًا صورة (عدو أفسد في البلاد وفرّق العباد وخرج على ولاة أمره ورام شرًا بالمقدسات)، ثم يقول للمتلقي: (تلكم جماعة الحوثي)، وهذا البناء يقوم على التوصيف قبل التسمية، وهي طريقة حجاجية تجعل الصورة الذهنية جاهزة قبل وصول الاسم، ثم تأتي بعدها أوصاف (عصابة الشر، ودسيسة الأعداء، والفرقة الضالة، والجماعة المنحرفة) لتكمل عملية التقويم، وهي أوصاف تعبر بوضوح عن موقف صاحب البيان وليست لغة وصف سياسي محايد.
كما يبني الخطاب جزءًا مهمًا من معناه على المقابلة بين حقلين لغويين، ففي حقل الجماعة التي يخاطبها نجد (أبناءنا، إخواننا، الصبر، المرابطة، الاعتصام، وحدة الصف، الطاعة، الإتقان، الأمن، الاستقرار، التنمية)، وفي الحقل الذي يبني به صورة الخصم نجد (العدوان، أفسد، فرّق، خرج، الشر، الضلال، الانحراف، الهدم، التدمير)، ومن خلال هذه الثنائية لا يكتفي البيان بأن يصف كل طرف على حدة، وإنما يجعل صورة أحدهما تزداد وضوحًا بمقابلتها بصورة الآخر، فكلما أكد الاجتماع أصبح التفرق أكثر سلبية داخل منطقه، وكلما أكد البناء والتنمية أصبح الهدم والتدمير أكثر حضورًا بوصفهما النقيض، وهذه المقابلة هي التي تمنح أجزاء واسعة من الخطاب حدتها من غير حاجة إلى التصريح بها في كل مرة.
ويستحق الإيقاع في لغة البيان الوقوف عنده، فالنص يحمل نبرة خطابية واضحة تعتمد على ازدواج الألفاظ وتقارب نهاياتها وتتابعها، (البلاد والعباد)، (الأمن والأمان)، (الرخاء والاستقرار)، (النهضة والتنمية والتماسك)، (الفرقة الضالة والجماعة المنحرفة)، وهذا الإيقاع لا يجعل النص أكثر جمالًا فقط، وإنما يجعله أكثر قابلية للتلقي الشفهي، وهو أمر يتناسب مع طبيعة البيان الديني الذي يحمل في لغته شيئًا من روح الخطبة، ولذلك تتكرر فيه الجمل التي يمكن أن تستقر في الذاكرة بسهولة بسبب بنائها المتوازن وجرسها الواضح.
أما التحول الأهم في المعجم فيأتي في نهاية البيان، فبعد أن مر النص بكلمات (العدوان، القتال، العدو، الشر، الفتن، الدماء، الهدم، التدمير) يغادر هذا الحقل كله تقريبًا ليختم بـ(أمن وأمان، ورخاء واستقرار، ونهضة وتنمية، وتماسك)، وهذا الانتقال ليس تغييرًا لغويًا عابرًا، وإنما يحمل وظيفة حجاجية واضحة، فالخطاب يختار أن تكون صورته الأخيرة صورة الحياة لا صورة الحرب، وأن تكون آخر مفرداته التنمية لا القتال، وأن ينتقل بالمتلقي من حاضر المواجهة إلى مستقبل يتصوره البيان لليمن، وبذلك تصبح الخاتمة إعادة توجيه لمعنى النص كله، لأن آخر ما يبقى في الذاكرة ليس الخصم الذي تحدث عنه، وإنما الغاية التي أعلن أنه يريد الوصول إليها.
ومن مجموع هذه السمات يمكن القول إن لغة البيان قامت على خمسة مسارات كبرى لا تحتاج إلى تفتيتها إلى عشرات الاستراتيجيات الصغيرة؛ مرجعية شرعية تجعل النص الديني أساس الحجة، وبناء دلالي للوطن يربط الأرض بالمقدسات ووحدة المجتمع، وبناء لغوي للمرابط يقوم على القرب والتعظيم والتحفيز، ولغة توجيهية تستخدم الأمر والطاعة والاجتماع لتحويل القناعة إلى سلوك، ثم بناء تقابلي لصورة الخصم قبل أن ينتهي الخطاب بتحويل المعجم كله من المواجهة إلى الأمن والتنمية، وهذه المسارات تتداخل في البيان حتى يصعب فصل اللغة عن الحجة، لأن المفردة فيه لا تصف فقط، والضمير لا يحيل فقط، والأمر لا يطلب فقط، والتكرار لا يزين فقط، وإنما يعمل كل عنصر من هذه العناصر داخل منظومة تريد أن تجعل المرابط يعرف من هو، وما قيمة ما يقف من أجله، وما السلوك المطلوب منه، وكيف يقدم الخطاب الطرف الذي يواجهه، وما الصورة التي يريد أن يصل إليها في نهاية الطريق، ولهذا فإن قوة البيان ليست في كثرة مفرداته ولا في ارتفاع نبرته، وإنما في قدرته على جعل العقيدة والوطن والمقدسات والمرابط ووحدة الصف والأمن تتحرك داخل لغة واحدة، تبدأ من المرجعية، وتبني المعنى، ثم تدفعه إلى الفعل قبل أن تترك المتلقي أمام صورة مستقبل لا صوت فيه أعلى من الأمن والاستقرار والبناء.