الكاتب :
التاريخ: ٢٢ سبتمبر-٢٠٢٦       5555

بقلم - نوره محمد بابعير 

للوطن حكايات كثيرة؛ بعضها نعرفه ونرويه، وبعضها نعيشه دون أن نتوقف كثيرًا عند تفاصيل تاريخه. وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، تتسع حكاية الوطن أكثر، فنعود بذاكرتنا إلى تاريخ ممتد، بدأت فصوله من جذور الأجداد، ومن أرض حملت حكايات أجيال متعاقبة، حتى جاء يوم التوحيد، لتبدأ معه مرحلة جديدة من قصة وطن أخذ يكبر عامًا بعد عام.

وحين يأتي اليوم الوطني، نحتفل بحكاية وطن ما زالت فصولها تُكتب أمامنا. نراه في فرحة الناس، وفي الأعلام التي تملأ المدن، وفي اجتماع العائلات، لكن أجمل ما نراه هو ذلك الفخر الذي يجمعنا بوطن عظيم، امتد تاريخه، وتعددت إنجازاته، وكبر طموحه عامًا بعد عام.

وربما لهذا يحمل اليوم الوطني معنى يتجاوز مظاهر الاحتفال؛ فهو اللحظة التي تلتقي فيها ذاكرة الأجداد بفرحة الأبناء، ويلتقي فيها ما كان بالأمس بما نراه اليوم. ستة وتسعون عامًا مرت على توحيد هذه البلاد، حملت معها مراحل من البناء والعمل والتحول، حتى أصبحت الحكاية التي بدأت من الأمس جزءًا من حاضر نعيشه ونشهد تفاصيله كل يوم.

والوطن ليس أرضًا نقيم عليها فقط، وإنما تفاصيل تتشكل حولها حياتنا، وحب الوطن دائمًا مختلف عن كثير من أنواع الحب؛ فهو لا يحتاج إلى مناسبة حتى يبدأ، ولا ينتهي بانتهاء الاحتفال. يكبر معنا.

وإذا نظرنا إلى المملكة العربية السعودية اليوم، فإننا نرى أمامنا وطنًا قطع مسافات واسعة في مجالات متعددة. لم يعد التطور فكرة نتحدث عنها في المستقبل، بل أصبح حاضرًا نراه في تفاصيل الحياة من حولنا؛ في العلم والتقنية، وفي الخدمات الصحية، وفي التعليم، وفي الثقافة، وفي السياحة، وفي مساحات جديدة فتحت أبوابها أمام الشباب والمبدعين.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح للمشهد الثقافي حضور أكثر اتساعًا؛ عادت الفنون والتراث والآداب إلى مساحات أوسع، وانتشرت المعارض والفعاليات، وظهرت مبادرات تهتم بالموروث المحلي وتقدمه للأجيال الجديدة بطريقة مختلفة. وأصبح من الجميل أن نرى أشياء كانت تعيش في الذاكرة الشعبية تجد طريقها إلى الحاضر، لا بوصفها شيئًا من الماضي فقط، وإنما جزءًا من هوية ما زالت قادرة على أن تتجدد.

وفي الجانب الصحي والعلمي، تتقدم المملكة العربية السعودية كذلك في تطوير خدماتها ومنشآتها، وفي الاستفادة من التقنية، وفي دعم البحث والابتكار. وهذه المجالات ربما تبدو بعيدة حين نقرأ عنها كعناوين، لكنها في حقيقتها تمس حياة الإنسان مباشرة؛ فكل تطور في الصحة يعني حياة قد تتحسن، وكل تقدم في العلم قد يفتح بابًا جديدًا، وكل معرفة جديدة تمنح جيلًا فرصة أكبر لفهم العالم وصناعة مستقبله. وربما هنا يكمن المعنى الحقيقي للتنمية؛ أن تصل في النهاية إلى الإنسان.

وما نراه اليوم لم يأتِ منفصلًا عن مسيرة طويلة من العمل والبناء. فالمملكة العربية السعودية مرت بمراحل عديدة، وفي كل مرحلة كانت هناك قرارات ومشروعات ومؤسسات وأجيال ساهمت في تكوين الصورة التي نراها اليوم. وكانت القيادة السعودية حاضرة في هذه المسيرة، تدير التحولات وتضع أهدافًا للمستقبل، وتدفع نحو بناء دولة تتسع طموحاتها مع اتساع احتياجات أبنائها.

ومنذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، تعاقبت القيادة السعودية على مسيرة البناء، وحمل كل عهد مرحلة جديدة من العمل والتطوير، حتى وصل الوطن إلى ما نراه اليوم. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود  وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود -حفظهما الله- تتواصل مسيرة البناء بطموح ينظر إلى المستقبل، ويحافظ في الوقت ذاته على جذور الوطن وهويته.

ولأن التنمية لا تعيش بعيدًا عن الاستقرار، يبقى الأمن أحد الأشياء التي تجعل كثيرًا من هذه التفاصيل ممكنًا. قد نعتاد الأمان إلى درجة أننا لا نتوقف عند معناه، لكنه في الحقيقة أساس لكثير من الأشياء التي نعيشها دون أن نفكر فيها؛ أن يذهب الإنسان إلى عمله، وأن يفتح مشروعه، وأن يتعلم، وأن تسافر العائلة، وأن تقام الفعاليات والمناسبات، وأن تستمر الحياة في مدن المملكة بهدوئها وحركتها.

وخلف ذلك يقف رجال ونساء يؤدون أدوارهم في مواقع مختلفة، ويحملون مسؤولية المحافظة على أمن هذا الوطن واستقراره.

ولذلك فإن صورة المملكة العربية السعودية التي نراها اليوم ليست نتيجة جانب واحد، وإنما حصيلة عمل متصل؛ قيادة تخطط، ومؤسسات تعمل، وأبناء يشاركون، وأمن يحمي، ومجتمع ينظر إلى المستقبل وهو يحمل معه ذاكرته وهويته. وربما أجمل ما في اليوم الوطني أنه يمنحنا فرصة لنرى كل ذلك من زاوية الفرح.

نفرح بما وصلنا إليه، بما تحقق في وطننا، وبالقصص الكثيرة التي بدأت من تاريخ الأجداد ثم كبرت مع الأيام. نفرح بالمدن التي تغيرت، وبالمجالات التي اتسعت، وبالأبواب التي فتحت أمام أجيال جديدة. لكننا في الوقت نفسه ندرك أن الوطن لا يتوقف عند إنجاز، وأن الحكاية لا تنتهي عند محطة.

فكل جيل يأتي وفي يده شيء من الماضي، وفي عينيه صورة مختلفة للمستقبل. وما نفعله اليوم سيصبح غدًا جزءًا من ذاكرة من يأتي بعدنا.

ولهذا ربما يكون أجمل احتفال بالوطن ألا نكتفي بأن نرفع علمه، وإنما أن نضيف إليه شيئًا؛ أن نتعلم، ونعمل، ونبدع، ونحافظ على مكتسباته، وأن نترك في المكان الذي نعيش فيه أثرًا يستحق أن يبقى.

في اليوم الوطني، نرى الأخضر في الشوارع، ونسمعه في الأغاني، ونحمله في أعلام صغيرة بأيدي الأطفال. لكن أجمل ما في هذا اللون أنه يذكرنا بأن الوطن ليس مشهدًا نراه في مناسبة، وإنما حياة نعيشها كل يوم. وهذه الحكاية التي بدأت منذ عقود، ما زالت تُكتب، ونقرأ صفحاتها التي سبقتنا بفخر، ونعيش صفحاتها التي بين أيدينا بامتنان، ونترك للجيل القادم صفحات أخرى لم تُكتب بعد.

فالوطن الذي نحتفل به اليوم، ليس فقط وطن الأمس الذي ورثناه، ولا وطن اليوم الذي نراه أمامنا، بل وطن الغد الذي نشارك جميعاً في صناعته .