الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ سبتمبر-٢٠٢٦       2420

بقلم: محمد السويعي
     منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتحديدًا في عام 2023، كتبت عن أهمية سن تشريعات ولوائح تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، في وقت كان فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي يشق طريقه سريعًا إلى الاستخدام الواسع، بالتزامن مع اشتداد المنافسة بين شركات التقنية.
كان السؤال حينها: لماذا نحتاج إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
وأشرت وقتها إلى مخاطر تتعلق بالخصوصية، والأخبار المزيفة والمعلومات المضللة، والهجمات السيبرانية، والتزييف العميق، والتحيز، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية. وكان جوهر ما طرحته أن تنظيم هذه التقنية وتعزيز الثقة الرقمية لا ينبغي أن يُترك لشركات التقنية وحدها، بل إن للحكومات والمشرّعين دورًا أساسيًا في حماية المجتمع دون إعاقة الابتكار.
اليوم تغير المشهد كثيرًا. لم يعد السؤال: هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى تنظيم؟ بل أصبح أكثر تعقيدًا: كيف تستطيع حكومات الدول تنظيم تقنية تتطور بهذه السرعة وتتجاوز الحدود الجغرافية والتشريعية؟
فقد يُطوَّر نموذج للذكاء الاصطناعي في دولة، وتوجد خوادمه في دولة أخرى، وتستخدمه شركة في دولة ثالثة، ثم يتسبب في ضرر لمستخدم في دولة رابعة. وهنا تبدأ المعضلة: أي قانون يُطبَّق؟ وأي دولة تملك الاختصاص؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
هذه في رأيي هي المشكلة الأساسية، الذكاء الاصطناعي عالمي بطبيعته، بينما القوانين لا تزال وطنية بطبيعتها.
يضاف إلى ذلك أن التشريعات تتحرك بوتيرة أبطأ من التقنية. فإعداد قانون قد يستغرق شهورًا أو سنوات، بينما قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور خلال أشهر. بالأمس كنا نتحدث عن أنظمة تكتب النصوص وتصنع الصور، واليوم نتحدث عن وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على استخدام الأدوات وتنفيذ مهام متعددة بدرجات متزايدة من الاستقلالية. لذلك، لا أعتقد أن الحل في إصدار قانون لكل نموذج أو منتج جديد، بل في بناء تشريعات مرنة تعتمد على مستوى المخاطر والمسؤولية والنتائج، وتكون قابلة للتحديث مع تطور التقنية.
وتبقى قضايا البيانات والخصوصية والملكية الفكرية والأمن السيبراني في قلب هذا التحدي. فمن يملك بيانات التدريب؟ ومن يتحمل المسؤولية عند إساءة استخدام النظام؟ وكيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي عندما يُستخدم في الاحتيال أو التزييف العميق أو الهجمات السيبرانية؟
ومع ذلك، يجب ألا يتحول التنظيم إلى عائق أمام الابتكار. فالتشدد المفرط قد يبطئ الاستثمار والتطوير، بينما التساهل المفرط قد يجعل المجتمع يدفع الثمن لاحقًا. وهنا تكمن المعادلة الصعبة: كيف نحمي الإنسان دون أن نخنق الابتكار؟
في المملكة العربية السعودية، تسير جهود حوكمة الذكاء الاصطناعي في اتجاه تحقيق هذا التوازن، من خلال المبادئ والأطر التي وضعتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا" للاستخدام المسؤول، والتي تشمل الخصوصية والأمن والعدالة والشفافية والسلامة والمساءلة.
وعالميًا، قد يكون الاتفاق على قانون واحد أمرًا غير واقعي، لكن الاتفاق على مبادئ مشتركة لحماية الإنسان وضمان الشفافية والمساءلة والتعاون عبر الحدود أصبح ضرورة.
في عام 2023 كان السؤال: هل نحتاج إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
اليوم أصبح السؤال: هل تستطيع القوانين أن تتطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي؟
فالتحدي القادم ليس فقط أن نصنع ذكاءً اصطناعيًا أكثر قوة، بل حوكمة أكثر ذكاءً.