بقلم ـ حمود بخيت الزهراني
من دار الأطاولة بمحافظة القرى في منطقة الباحة، بدأت الحكاية قبل عقود، حين حمل أبناء المنطقة حلمًا رياضيًا أكبر من الإمكانات المتاحة، فكانت البداية بنادي زهران، ثم انتقل الاسم إلى العميد، قبل أن يستقر أخيرًا على اسمه الحالي نادي العين السعودي.
لم تكن ولادة النادي مجرد قرار بإنشاء كيان رياضي، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن رغبة أبناء المنطقة في صناعة مساحة تجمع شباب القرى، وتمنحهم فرصة لممارسة الرياضة وتمثيل منطقتهم، وتحويل الحلم البسيط إلى مشروع رياضي يحمل اسم المكان وأهله.
*من الفكرة إلى الميدان*
تأسس نادي العين عام 1398هـ الموافق 1978م في قرية الأطاولة بمحافظة القرى، بجهود أبناء المنطقة ومؤسسيه الأوائل من أهالي الأطاولة والقرى المجاورة.
وكانت فكرة إنشاء النادي قد جاءت من الدكتور محمد مسفر، فيما تولى سالم بن شهوان الزهراني مسؤولية التنفيذ، لتبدأ رحلة طويلة من العمل الرياضي، عنوانها الإصرار، وروحها أبناء المنطقة.
في تلك البدايات لم تكن المنشآت الرياضية متوفرة، ولم تكن الإمكانات تقارن بما هو موجود اليوم، فكانت ملاعب التراب في العيينة هي الملعب الذي يحتضن تدريبات الفريق، باعتباره الأقرب والأكثر ملاءمة للاعبين القادمين من القرى المجاورة.
ومن تلك الملاعب المتواضعة، بدأ الحلم يكبر.
*رجال تعاقبوا على حمل الأمانة*
تعاقبت على رئاسة نادي العين منذ تأسيسه أسماء عديدة حملت مسؤولية إدارة النادي، وواصلت المسيرة كلٌ بحسب ظروف المرحلة وإمكاناتها.
ومن أبرز من تولوا رئاسة النادي:
سالم أحمد شهوان،
عوض بن جمعان الهلالي،
بخيت محمد الساهر،
فهد بن تركي البانمي،
عبدالعزيز محسن القبيبي،
حمدان سعيد الزهراني،
محمد بن عبدالرحمن الزهراني،
ثم كُلّف علي بن بخيت عاشور الزهراني،
قبل أن يتولى مازن معيض رداد، ثم حسن أحمد دباج، وصولًا إلى الإدارة الحالية برئاسة زينب أحمد.
وما بين هذه الإدارات، بقي النادي مستمرًا، تتغير الأسماء وتتبدل الظروف، لكن الحلم ظل واحدًا: أن يكون للعين مكان بين أندية الوطن.
*من دوري المناطق إلى دوري المحترفين*
بدأ نادي العين مشواره من دوري المناطق بمنطقة الباحة، وحقق بطولة دوري الباحة في أكثر من مناسبة، قبل أن ينتقل إلى منافسات دوري الدرجة الثالثة.
وفي موسم 2015-2016، نجح الفريق في تحقيق لقب دوري الدرجة الثالثة، ليبدأ مرحلة جديدة من المنافسة والطموح.
واصل العين طريقه إلى دوري الدرجة الثانية، وهناك خاض منافسات قوية وصعبة، قبل أن ينجح في تحقيق حلم الصعود إلى دوري الدرجة الأولى موسم 2017-2018.
*لكن الطموح لم يتوقف.*
فبعد سنوات من العمل والمنافسة، كتب نادي العين واحدة من أجمل صفحات تاريخه، عندما نجح في الصعود إلى الدوري السعودي للمحترفين في نهاية موسم 2019-2020، ليظهر للمرة الأولى بين كبار كرة القدم السعودية في موسم 2020-2021.
*كان ذلك اليوم أكثر من مجرد صعود فريق.*
كان انتصارًا لحلم بدأ من قرية، ومن ملاعب ترابية، وبإمكانات محدودة، حتى وصل إلى أكبر منصات كرة القدم السعودية.
*العين.. سفير الباحة بين الكبار*
وفي موسمه الوحيد مع الكبار، حمل نادي العين اسم منطقة الباحة إلى دوري المحترفين، وقدم صورة مشرفة للنادي والمنطقة.
كانت المشاركة بحد ذاتها إنجازًا تاريخيًا لنادٍ بدأ من الأطاولة، وشق طريقه خطوة بعد أخرى، حتى أصبح حاضرًا في المشهد الرياضي السعودي على أعلى مستوى.
*لكن كرة القدم لا تمنح أحدًا ضمانات الاستمرار.*
وبعد موسم واحد، عاد الفريق إلى دوري الدرجة الأولى، وحاول أكثر من مرة استعادة موقعه بين الكبار، إلا أن محاولات العودة لم تكلل بالنجاح، قبل أن تتراجع المسيرة أكثر بالهبوط إلى دوري الدرجة الثانية، حيث ينافس الفريق حتى اليوم.
*وهنا تبدأ قصة أخرى.*
المشكلة ليست في الطموح.. بل في الجغرافيا
ربما تكون واحدة من أكبر التحديات التي واجهت نادي العين مرتبطة بالمكان والمسافات.
فمقر النادي في محافظة القرى، بينما يسكن عدد من اللاعبين في مناطق مختلفة من الباحة، ويتدرب الفريق على ملعب مدينة الملك سعود الرياضية بالباحة.
الرئيس في منطقة، وأعضاء مجلس الإدارة في قرى ومحافظات مختلفة، ومقر النادي في مكان، وسكن اللاعبين في مكان آخر، وملاعب التدريب في مكان ثالث.
كل هذه المسافات لا تبدو مجرد تفاصيل جغرافية، بل تتحول مع الوقت إلى أعباء يومية تؤثر في الاستقرار الإداري والفني، وفي حضور اللاعبين والجماهير، وفي قدرة النادي على بناء منظومة رياضية متماسكة.
ويضاف إلى ذلك طبيعة الأجواء الموسمية في المنطقة، من أمطار وضباب، وما قد تسببه من صعوبات في التنقل والوصول إلى الملاعب، خصوصًا للجماهير وأبناء القرى المحيطة.
*الأرض موجودة.. فمتى تبدأ المنشأة؟*
هنا تتوقف قصة نادي العين عند نقطة تستحق التوقف طويلًا.
النادي يملك أرضًا تقع شرق دار الأطاولة، وتبلغ مساحتها نحو 70 ألف متر مربع، وهي مساحة يمكن أن تحتضن منشأة رياضية متكاملة تضع النادي على طريق مختلف تمامًا.
إدارة النادي، ملعب لكرة القدم، صالات متعددة للألعاب الرياضية، مسبح، مسرح، ومعسكر للفريق.
*إنها ليست مجرد أرض.*
إنها فرصة لإنقاذ المسافات، وصناعة الاستقرار، وبناء المستقبل.
وجود منشأة رياضية متكاملة في مقر النادي يمكن أن يختصر كثيرًا من المعاناة، ويمنح اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية بيئة أكثر استقرارًا، ويعيد للجماهير علاقتها المباشرة بناديها، ويجعل أبناء الأطاولة والقرى المجاورة يشعرون بأن النادي جزء حي من المكان، وليس مجرد اسم يحملونه في قلوبهم.
*العين يستحق فرصة جديدة*
قصة نادي العين ليست قصة صعود وهبوط فقط.
إنها قصة رجال آمنوا بفكرة، وشباب لعبوا على ملاعب ترابية، وإدارات تعاقبت، وجماهير وقفت، ونادٍ استطاع رغم محدودية الإمكانات أن يصل إلى دوري المحترفين.
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس: ماذا حقق العين؟
بل السؤال الأهم:
ماذا يمكن أن يحقق العين لو توفرت له البيئة المناسبة؟
فالطموح موجود، والتاريخ موجود، والأرض موجودة، والقدرة على صناعة المستقبل موجودة أيضًا.
وما يحتاجه النادي هو أن تتحول هذه المقومات إلى مشروع واضح، ومنشأة تليق باسم العين، ودعم يوازي طموح أبناء المنطقة.
*من الأطاولة.. يمكن أن تبدأ الحكاية من جديد*
نادي العين لم يولد من وفرة الإمكانات، بل ولد من الإرادة.
وصل إلى دوري المحترفين دون أن يمتلك كل مقومات الأندية الكبيرة، ولذلك فإن عودته إلى المنافسة ليست حلمًا مستحيلًا، وإنما تحتاج إلى رؤية، واستقرار، ودعم، ومنشأة تحتضن هذا الحلم.
الأندية لا تبنى بالنتائج وحدها، بل تبنى بالمكان، والإنسان، والاستقرار، والبنية التحتية، والدعم المستدام.
*والعين اليوم يقف أمام فرصة تاريخية.*
أرض تنتظر أن تتحول إلى منشأة، ومنشأة يمكن أن تتحول إلى استقرار، والاستقرار يمكن أن يصنع فريقًا، والفريق قادر على إعادة الحلم.
من ملاعب العيينة الترابية بدأت القصة قبل نحو نصف قرن، ومن دار الأطاولة خرج حلم أبناء المنطقة حتى وصل إلى دوري المحترفين.
*واليوم، لا ينقص العين حلم جديد…*
فقط يحتاج أن تُفتح أمامه الطريق، ليكتب أبناء الأطاولة فصلًا جديدًا من حكاية بدأت بالكفاح، وحان وقت أن يكون عنوانها: النجاح .
*إدارة جديدة.. وطموح يتجدد*
ومع تولي الإدارة الجديدة بقيادة رئيسة النادي الأستاذة زينب أحمد وأعضاء مجلس الإدارة، تتجدد الآمال والطموحات في أن تشهد المرحلة المقبلة نقلة نوعية تواكب تطلعات جماهير نادي العين وأبناء المنطقة.
فالمهمة ليست سهلة، والطريق يحتاج إلى عمل كبير وصبر وتكاتف، لكن الطموح الذي تحمله الإدارة الجديدة يمكن أن يكون بداية لمرحلة مختلفة، عنوانها الاستقرار، والعمل المؤسسي، واستثمار إمكانات النادي، والسعي إلى إعادة الفريق إلى موقعه الذي يليق بتاريخه.
أبناء العين لا يبحثون عن وعود عابرة، بقدر ما ينتظرون مشروعًا واضحًا يترجم الطموح إلى واقع، ويمنح النادي فرصة حقيقية لبناء مستقبل رياضي أكثر إشراقًا.
ويبقى الأمل أن تنجح الإدارة الجديدة في تحويل هذه التطلعات إلى إنجازات، وأن يكون القادم لنادي العين أجمل من ماضيه، وأن تستعيد جماهيره تلك اللحظة التي حلمت بها طويلًا:
أن ترى العين يعود من جديد إلى المكان الذي يستحقه بين كبار كرة القدم السعودية .
*ختامًا،*
فإن وفّقت في إعداد هذا المقال وإيصال رسالته، فذلك من فضل الله وتوفيقه، وإن وردت فيه معلومة غير دقيقة أو جانبني الصواب في شيء، فذلك من نفسي، وأرحب بكل تصحيح أو إضافة من أبناء نادي العين ومحبيه، فالتاريخ أمانة، وأهل النادي أحق بتصحيح تفاصيل حكايته.
ويبقى نادي العين قصة كفاح تستحق أن تُروى، وحلمًا يستحق أن يكتمل .
آخر الكلام …
تنشد عن الحال حالي كيف ما شفته
وأنا احسب انك قبل ذا الوقت تدري به …
…………….
حمود بخيت الزهراني
المنطقة الشرقية - الدمام
المملكة العربية السعودية
@HBHZ148