الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ سبتمبر-٢٠٢٦       2310

بقلم: طارق محمود نواب

كبرت أجيال كاملة وهي تعرف أن الذاكرة لها وزن ورائحة وملمس فكانت الرسالة تُطوى وتُحفظ في درج وكانت الصورة تُثبت في ألبوم وكانت الملاحظات تُكتب على هامش كتاب ولهذا لم تكن الذكريات مجرد معلومات نستعيدها بل أشياء نسكن إليها ونلمسها ونرى آثار الزمن على حوافها. أما اليوم فقد وُلد جيلٌ لا يحتاج إلى صندوق قديم كي يحفظ ماضيه لأن حياته كلها انتقلت بهدوء إلى شاشة وصار الأرشيف ملفًا والصورة رابطًا والرسالة إشعارًا والذكرى شيئًا يمكن أن يختفي بكلمة مرور منسية أو جهازٍ تعطل أو حسابٍ أُغلق.

ولأن التقنية منحتنا قدرة هائلة على الحفظ فقد ظننا أننا أصبحنا أكثر أمانًا من النسيان غير أن المفارقة أن كثرة ما نحفظه جعلت علاقتنا بما نحفظه أكثر هشاشة. ففي الماضي كانت عشر صور لعائلة واحدة تكفي لتأسيس ذاكرة كاملة بينما نحمل اليوم آلاف الصور التي لا نعود إلى معظمها ولذلك اتسعت مساحة التخزين وضاقت مساحة التأمل وصارت الذاكرة وفيرة في العدد وفقيرة في الحضور.

ثم إن الورق لم يكن وسيطًا محايدًا بل كان شاهدًا يضيف إلى الحكاية شيئًا من عمره. فخط الأب على رسالة قديمة لا يشبه خطًا رقميًا وبقعة القهوة على دفتر طالب ليست عيبًا بل توقيع لحظة عاشت وانتهت كما أن اصفرار الورقة لا ينتقص منها وإنما يمنحها مهابة الزمن. ولهذا كانت الأشياء القديمة تتقدم في العمر معنا بينما الملفات الرقمية تبقى متشابهة بلا روح فلا يظهر عليها أنها عبرت ثلاثين عامًا من حياة أصحابها.

وكانت البيوت قديمًا تحتفظ بسيرتها من غير أن تسميها أرشيفًا فثمة بطاقة تهنئة بين صفحات كتاب وتذكرة سفر في ظرف قديم ووصفة بخط أم وشهادة مدرسية حملت فرحة بيت كامل. وكانت هذه التفاصيل الصغيرة تبدو عادية في وقتها ثم تكبر قيمتها كلما ابتعد أصحابها عن اللحظة لأنها لم تحفظ الحدث وحده وإنما حفظت الطريقة التي عاش بها الناس ذلك الحدث وحفظت أصواتهم وذائقتهم وخطوط أيديهم وحتى أخطاءهم البريئة.

ومع ذلك لا يمكننا أن نخاصم العصر فالحياة تتغير وما كان يُحفظ في خزائن البيوت صار يُحفظ في خوادم بعيدة ولكن السؤال ليس أين نخزن ذاكرتنا فقط بل ماذا سيبقى منها حين نرحل؟ وهل سيجد الأبناء رسائلنا كما وجدنا رسائل آبائنا؟ وهل سيجلس حفيد بعد نصف قرن أمام صندوق صغير يكتشف فيه صورتنا الأولى وخطنا المرتبك وكلماتنا التي لم تكن موجهة للنشر؟ أم سيجد أمامه حسابات مغلقة وأرقامًا سرية وملفات بلا أسماء؟

إن الخطر الحقيقي ليس في غياب الورق بل في أن تتحول حياتنا إلى مادة قابلة للمحو من دون أثر ولذلك قد نحتاج إلى أن نستعيد شيئًا من عادة التوثيق البطيء وأن نطبع بعض الصور ونكتب بعض الرسائل ونترك وراءنا ما يستطيع الزمن أن يلمسه. وربما تكون الحكمة ألا نرفض التقنية ولا نسلّم لها ذاكرتنا كاملة بل أن نصنع توازنًا بين سرعة الحفظ الرقمي ودفء الأثر المادي حتى لا يصبح ماضينا رهين منصة لا تعرف أسماءنا.

فالإنسان لا يورث أبناءه الممتلكات وحدها بل يورثهم أثره أيضًا وأجمل الأثر ما استطاع أن ينجو من انطفاء الشاشة.