الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ أغسطس-٢٠٢٦       4235

بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي

بعض الأصوات تُسمع بالأذن، وبعضها يعبر منها إلى القلب. 

أما أم كلثوم ؛ فكانت من ذلك الاستثناء النادر الذي لا يكتفي فيه الصوت بأن يُسمع، بل يترك في النفس أثرًا، وفي الذاكرة مكانًا، وفي الزمن علامة.

 

حين تُذكر العظمة في الفن العربي ؛ يحضر اسمها لا بوصفها مطربةً عظيمة فحسب، بل بوصفها ظاهرةً فنية صنعت زمنًا، ثم بقيت بعده.

 

بدأت من الإنشاد الديني في ريف مصر، ثم انتقلت إلى القاهرة، وهناك صقلت موهبتها بالتعلم والانضباط وحسن الاختيار، حتى أصبحت واحدة من أعظم الأصوات في تاريخ الغناء العربي.

 

ومع صعودها ؛ لم يعد اسمها وحده كافيًا للتعبير عن مكانتها ، فأطلق عليها الناس والصحافة ألقابًا أصبحت مع الزمن جزءًا من صورتها في الوجدان. قيل لها «الست»، في اختصارٍ يحمل من الهيبة والمكانة أكثر مما تحمل الأسماء الطويلة، ثم استقر لقب «كوكب الشرق» حتى غدا أشهر ألقابها، وكأن الشرق كله وجد في صوتها شيئًا من صورته ووجدانه.

 

لكن الموهبة وحدها لا تصنع الخلود.

 

الخلود يصنعه اجتماع الصوت بالنص، واللحن بالإحساس، والموهبة بالوعي. وهذا ما امتلكته أم كلثوم؛ أحاطت نفسها بكبار الشعراء والملحنين، من أحمد رامي ورياض السنباطي إلى محمد عبدالوهاب، فصنعت مدرسةً لا تقوم على الصوت وحده، بل على حسن بناء الأغنية نفسها.

 

ولعل محمد عبدالوهاب، وهو أحد كبار الموسيقى العربية ؛ لخّص مكانتها حين وصف صوتها بأنه «عاصمة الأصوات».

 

أما نجيب محفوظ، الذي عاش صوتها واستمع إليه طويلًا ؛ فرأى فيه صوتًا عبقريًا وهبةً إلهية، وتحدث عن أثره في نفسه وفي إقباله على الكتابة.

 

ولم تكن هذه الشهادات مبالغات عابرة؛ فقد كانت أم كلثوم قادرة على أن تمنح الكلمة حياةً أخرى.

 

كانت تمد النغمة حين يكون الامتداد جزءًا من المعنى، وتتوقف حين يصبح الصمت أبلغ من الكلام، وتعيد الجملة لا لتكررها، بل لتكشف فيها طبقةً جديدة من الشعور.

 

أما الآهة عندها فلم تكن زينة صوتية؛ كانت لغةً أخرى.

 

وكان منديلها، وحركة يدها، وتلك الاهتزازات الخفيفة في وقفتها ؛ امتدادًا لذلك الإحساس ، كأن الجسد كله كان يترجم ما يعجز الصوت عن قوله.

 

كانت تغني الحب، لكنها لم تكن تغنيه ككلمة رومانسية عابرة؛ كان الحب عندها شوقًا وغيابًا وعتابًا واحتراقًا وانتظارًا. وتغني الحزن دون ابتذال، والعاطفة دون إسفاف، والوجد دون أن تفقد الكلمة وقارها.

 

رفعت العاطفة إلى مقام الفن، ولم تُسقط الفن في الابتذال.

 

ولذلك لم تكن حفلاتها مجرد أمسيات غنائية؛ تحولت إلى موعد ينتظره الملايين، وإلى حالة جماعية يلتقي فيها الناس حول صوت واحد.

 

والأعجب .. أن أغنيةً لها قد تُسْمَع عشرات المرات، ثم تعود في ليلة أخرى فتبدو كأنها تُغنى للمرة الأولى.

 

هنا يتحول الفن إلى ذاكرة.

 

فكم من إنسان ارتبطت عنده أغنية لأم كلثوم بوجهٍ غائب، أو مرحلة عمر، أو ليلة حب، أو سنوات انتظار؟ لذلك حين تعود أغنية قديمة لها، فإنها لا تستعيد زمنها فقط؛ بل تستعيد شيئًا من أنفسنا التي عاشت ذلك الزمن.

 

وهذا هو الفارق بين فنان ينجح في زمنه، وفنان يصبح جزءًا من الزمن.

 

رحلت أم كلثوم في الثالث من فبراير 1975، لكن الرحيل لم يستطع أن يغلق الباب الذي فتحه صوتها في الوجدان العربي.

 

فالفنان العابر يترك أعمالًا، أما الفنان الخالد فيترك حضورًا.

 

وأم كلثوم تركت حضورًا لا يزال قائمًا.

 

كلما عادت أغنية لها بعد عقود، لا نشعر أننا نستمع إلى الماضي؛ نشعر أن الماضي هو الذي عاد ليستمع إلينا.

 

تلك هي أم كلثوم؛ صوتٌ لم يكن يفتح في القلب بابًا واحدًا، بل أبوابًا للحب والحنين والدهشة والوجع والفرح.

 

وربما لهذا بقي صوتها حتى اليوم قادرًا على أن يفعل ما لا تفعله الأصوات العابرة:

 

يفتح في القلب أبواب البكاء… ثم يتركه أكثر امتلاءً بالحياة.