الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ أغسطس-٢٠٢٦       2310

بقلم ـ جمعان الكرت

وهنا يتضح أن العطاء عند الشيخ سعيد العنقري لا يتوقف عند تقديم الدعم، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة الأثر؛ فالمال حين يذهب إلى البحث العلمي يصبح معرفة، والمعرفة حين تتحول إلى تطبيق تصبح تنمية، والتنمية حين تستمر تصبح أثرًا يبقى.
وإذا كان دعم البحث العلمي استثمارًا في الأرض والزراعة، فإن دعمه للثقافة هو استثمار في العقل والوعي والذاكرة.
وقد كان تبرعه السخي لاستكمال منشآت النادي الأدبي بالباحة موقفًا بالغ الدلالة؛ لأنه جاء في وقت كانت فيه المؤسسات الثقافية بحاجة إلى من يساندها لتؤدي رسالتها على الوجه المأمول. وبادر الشيخ العنقري إلى سد هذه الحاجة، إدراكًا منه بأن الثقافة لا تنهض بالكلمات وحدها، وإنما تحتاج إلى مؤسسات ومقار وتجهيزات وبيئة حاضنة للمثقفين والمبدعين.
وهكذا أصبح مبنى النادي الأدبي بالباحة، بما يكتنزه من نشاط ثقافي، أحد الشواهد على أن رجال الأعمال يمكن أن يكون لهم دور فاعل في صناعة المشهد الثقافي، وأن مسؤوليتهم تجاه المجتمع لا ينبغي أن تتوقف عند الاقتصاد والتجارة، بل تمتد إلى الثقافة والتعليم والمعرفة.
ومن الجميل أن هذا الدعم لم يكن عابرًا؛ فقد ارتبط اسم الشيخ سعيد العنقري بالمشهد الثقافي في المنطقة من خلال القاعة الثقافية التي تحمل اسمه في النادي الأدبي بالباحة، لتكون فضاءً للمحاضرات والندوات واللقاءات، ومكانًا تلتقي فيه الأفكار والأصوات الثقافية.
والشيخ سعيد العنقري، في تقديري، وطني ومثقف بدرجة امتياز؛ ليس لأننا نسمعه يتحدث عن الوطن فحسب، وإنما لأن أفعاله تترجم هذا الانتماء إلى واقع. فحب الوطن لا يُقاس بكثرة الكلمات في المناسبات الوطنية، مهما بلغت من البلاغة وجمال العبارة، وإنما بما يقدمه الإنسان لوطنه ومجتمعه من عمل نافع وأثر واضح.
وهذا ما نراه في مسيرته؛ فحين يدعم الثقافة، فهو يخدم الوطن، وحين يمول البحث العلمي، فهو يخدم الوطن، وحين ينشئ مرفقًا للشباب أو يساند جمعية خيرية، فهو يخدم الوطن، وحين يعتني بتاريخ المنطقة وبيئتها، فهو يحفظ جزءًا من ذاكرة الوطن. وحين يعيد ترمية قرية تراثية بالكامل فهو أيضًا يخدم الوطن.
ولعل اللافت كذلك أن عطاءه يجمع بين الإنسان والمكان والمعرفة؛ فهو يلتفت إلى حاجة الإنسان، ويهتم بالمكان الذي ينتمي إليه، ويؤمن بأن المعرفة والعلم والثقافة أدوات أساسية لبناء المجتمع.
وقد تطور هذا النهج من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي من خلال مؤسسة سعيد العنقري للخدمات الإنسانية، التي تتبنى مفاهيم التمكين والشراكة والاستدامة وقياس الأثر، وهي مفاهيم تؤكد أن العمل الإنساني الحديث لا يكتفي بمعالجة الحاجة الآنية، بل يبحث عن حلول أكثر استدامة، ويعمل على تمكين الإنسان والمؤسسات غير الربحية.