بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست عظمة الدول في اتساع مساحاتها وحده، ولا في كثرة ما تملك؛ فهناك دولٌ تتجاوز حدودها الجغرافية، حين تتحول قوتها إلى أمان، وأبوابها إلى فرص، وحضورها إلى أثر.
وهكذا هي السعودية.
دولةٌ واحدة، اتسعت للعرب والمسلمين، واستقبلت شعوبًا متعددة، لكل شعبٍ لغته وثقافته وحكايته؛ حتى بدا المشهد وكأننا أمام دولٍ في دولة.
لكن خلف كل جنسية قصة إنسان.
منهم من جاء للعمل والرزق، ومنهم من جاء بحثًا عن فرصة، ومنهم من حملته الحروب والقهر بعيدًا عن وطنه، لا رغبةً في الغربة، وإنما بحثًا عن أبسط ما يحتاجه الإنسان:
الأمان.
جاء بعضهم بحقيبة صغيرة، لكنه حمل في داخله وطنًا كاملًا؛ بيتًا تركه، وذكريات لم تغادره، وحلمًا يبحث عن أرضٍ يبدأ عليها من جديد.
وهنا تبدأ قيمة الاحتضان.
فالدولة التي تفتح أبوابها للإنسان حين تضيق به الدنيا ؛ لا تمنحه مكانًا فحسب ، بل تمنحه فرصةً لاستعادة حياته وكرامته.
والاحتضان، وإن بدا في بدايته مسؤوليةً وتكلفةً ؛ قد يتحول مع الزمن إلى قوةٍ ورصيد.
فالإنسان الذي وجد الأمان، لا ينسى من منحه الأمان.
السعودية لم تفقد هويتها وهي تستقبل الآخرين، ولم تتنازل عن سيادتها وهي تحتضنهم؛ بل أثبتت أن الانفتاح لا يعني الذوبان، وأن الكرم لا يعني الضعف، وأن الاحتضان المنضبط بالنظام يمكن أن يكون مصدر قوة.
ومن مكة والمدينة، حيث تتلاقى شعوب المسلمين في الحج والعمرة، إلى مدن المملكة التي يعيش ويعمل فيها الملايين من أبناء البلدان العربية والإسلامية، تتشكل صورة فريدة:
ثقافاتٌ متعددة تحت مظلة وطن واحد.
وقد يبدو هذا الاحتضان في بدايته حِملًا ثقيلًا؛ مسؤولياتٌ وخدماتٌ وتكاليف.
لكن الحياة لا تحكم على الأشياء من بداياتها.
ما حسبناه في أوله حِملًا ثقيلًا، اكتشفناه في آخره ورقةً رابحة.
رابحة في العلاقات، وفي التأثير، وفي جسور التواصل بين الشعوب.
وهذه ليست حكاية دولة فحسب؛ إنها قاعدة في الحياة.
كم من شخصٍ ظننّاه عبئًا، فإذا به يصبح سندًا.
وكم من بابٍ فتحناه لغيرنا، فإذا بمن دخل منه يرد لنا الجميل من بابٍ آخر.
من فرش داره للناس، لم يخسر داره؛ بل وسّعها في قلوبهم.
ومن غطّى ضيوفه بجلباب الاحتضان، لم يحمل عبئًا؛ بل صنع رصيدًا من الوفاء.
وهنا تبلغ القوة معناها الأجمل:
أن تمنح دون أن تضعف، وأن تحتضن دون أن تفقد هويتك، وأن تفتح الباب دون أن تفقد السيطرة على بيتك.
تلك هي القوة التي لا تُفرض؛ بل تُكتسب.
ولهذا فإن «دولٌ في دولة» ليست عبارةً عن كثرة الجنسيات فحسب؛ إنها صورة لدولةٍ اتسعت حتى اجتمعت في داخلها حكايات أوطان كثيرة.
وإذا كانت لكل دولة حدودها، فإن بعض الدول العظيمة تمتلك ما هو أبعد من الحدود:
تمتلك مكانًا في قلوب الآخرين.
وفي النهاية، تبقى الخلاصة:
من فرش داره للناس، لم يخسر داره؛ بل وسّعها في قلوبهم.
وما حسبناه في أوله حِملًا ثقيلًا، اكتشفناه في آخره ورقةً رابحة.
تلك هي القوة حين تتزين بالمروءة،
وذلك هو المجد حين يتحول الاحتضان إلى أثر.
دولٌ في دولة…
ودولةٌ اتسعت للآخرين، حتى اتسعت في قلوبهم.
تلك هي السعودية العظمى.