النهار

٢٣ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ أغسطس-٢٠٢٦       1760

بقلم:د. عبدالرحمن بن دحام السفان 

مع بداية كل عام دراسي، تنشغل الأسرة بتجهيز أبنائها للعودة إلى المدرسة؛ من الكتب والزي المدرسي إلى تنظيم النوم والاستعداد للروتين اليومي. وفي خضم هذه الاستعدادات، قد يغيب عن أذهاننا جانب مهم لا يقل أهمية عن أي استعداد آخر: صحة الفم والأسنان.

ومن واقع ما نراه في الممارسة اليومية، فإن كثيرًا من مشكلات الأسنان لدى الأطفال لا تبدأ بشكل مفاجئ، وإنما تتطور تدريجيًا نتيجة عادات بسيطة تتكرر يومًا بعد يوم. لذلك، فإن العودة إلى المدرسة تمثل فرصة حقيقية لمراجعة هذه العادات، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وبناء نمط صحي يستمر مع الطفل لسنوات.

صحة الفم تبدأ من العادات اليومية

الوقاية من تسوس الأسنان وأمراض اللثة لا تعتمد على زيارة طبيب الأسنان وحدها، بل تبدأ من المنزل وتستمر طوال اليوم.

تنظيف الأسنان مرتين يوميًا باستخدام معجون أسنان يحتوي على الفلورايد، مع الاهتمام بالتنظيف قبل النوم، هو أحد أهم الأسس التي ينبغي أن يعتاد عليها الطفل. كما أن تنظيف المناطق بين الأسنان، بالطريقة المناسبة لعمر الطفل، يساعد على إزالة بقايا الطعام التي قد لا تصل إليها فرشاة الأسنان.

والأهم من تعليم الطفل ماذا يفعل هو مساعدته على فهم لماذا يفعل ذلك. عندما يدرك الطفل أن تنظيف أسنانه يحميه من الألم ويحافظ على ابتسامته، تتحول العناية بالفم من واجب يومي ثقيل إلى سلوك طبيعي.

وجبة المدرسة قرار صحي يتكرر كل يوم

ما يأكله الطفل في المدرسة قد يكون له تأثير مباشر على صحة أسنانه. ولا يعني الاهتمام بصحة الفم حرمان الطفل من الحلويات، وإنما تقليل تناول السكريات والمشروبات المحلاة، خصوصًا تكرار تناولها بين الوجبات. فالتعرض المتكرر للسكريات خلال اليوم يرفع من احتمالية حدوث التسوس. لذلك، من المفيد أن تحتوي الوجبة المدرسية على خيارات متنوعة ومتوازنة، وأن يكون الماء هو المشروب الأساسي. وقد يبدو هذا الأمر بسيطًا، لكنه من أكثر الجوانب التي يمكن للأسرة التحكم بها يوميًا.

الماء خيار بسيط وأثره كبير

خلال اليوم الدراسي، يحتاج الطفل إلى شرب الماء باستمرار، خاصة مع النشاط والحركة وارتفاع درجات الحرارة. تشجيع الطفل على حمل زجاجة ماء معه إلى المدرسة يساعد على بناء عادة صحية، ويقلل من اعتماده على المشروبات المحلاة. وفي التوعية الصحية، كثيرًا ما نبحث عن حلول معقدة، بينما يكون أحد أفضل الحلول أمامنا ببساطة: اجعل الماء هو الخيار المعتاد، والمشروبات السكرية خيارًا استثنائيًا.

 

 

لا تنتظر حتى يؤلم السن

من أهم الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى الوالدين أن زيارة طبيب الأسنان لا ينبغي أن تبدأ عند ظهور الألم. فالفحص الدوري يتيح اكتشاف التسوس والمشكلات الأخرى في مراحل مبكرة، عندما يكون التعامل معها أسهل وأقل تعقيدًا. كما يسمح للطبيب بتقييم صحة الأسنان واللثة، ومتابعة نمو الأسنان، وتقديم التوجيه الوقائي المناسب لكل طفل. أما الانتظار حتى يظهر الألم، فقد يعني أن المشكلة قطعت شوطًا طويلًا قبل اكتشافها. وهنا تظهر قيمة الوقاية: أن نكتشف المشكلة قبل أن تصبح مشكلة حقيقية تؤثر على حياة الطفل.

ألم الأسنان قد يؤثر على يوم الطفل بالكامل

قد يبدو ألم الأسنان للبعض أمرًا عابرًا، لكن الطفل الذي يعاني من ألم مستمر قد يجد صعوبة في النوم أو تناول الطعام أو التركيز في الفصل. وقد يؤثر الألم أيضًا على مشاركته في الأنشطة المدرسية، ومزاجه، وحضوره إلى المدرسة. ولهذا، فإن الاهتمام بصحة الفم ليس اهتمامًا بالأسنان بمعزل عن بقية الجسم؛ بل هو جزء من الاهتمام بصحة الطفل وراحته وقدرته على التعلم وممارسة حياته بصورة طبيعية.

دور الأسرة لا ينتهي عند شراء فرشاة الأسنان

من واقع التجربة، فإن أفضل النتائج لا تأتي من كثرة النصائح، وإنما من استمرار السلوك الصحيح. الطفل يحتاج إلى القدوة والمتابعة، خصوصًا في سنواته الأولى. فعندما يرى والديه يحرصان على تنظيف أسنانهما وزيارة طبيب الأسنان والاهتمام بالغذاء الصحي، يصبح هذا السلوك جزءًا طبيعيًا من حياته. كما أن أسلوب التعامل مهم جدًا؛ فالتخويف من طبيب الأسنان أو استخدامه كوسيلة للعقاب قد يخلق لدى الطفل تصورًا سلبيًا يستمر معه سنوات. الأفضل أن نقدم زيارة طبيب الأسنان باعتبارها خطوة طبيعية للعناية بالصحة، لا تجربة مرتبطة بالخوف والألم.

بداية الدراسة فرصة فلنستثمرها

عودة المدارس ليست مجرد عودة إلى الفصول الدراسية؛ إنها عودة إلى الروتين، والروتين هو أفضل بيئة لبناء العادات الصحية.

لذلك، يمكن للأسرة أن تجعل بداية العام الدراسي نقطة انطلاق لمجموعة من العادات البسيطة:

تنظيف الأسنان مرتين يوميًا على الأقل، استخدام معجون يحتوي على الفلورايد، تنظيف ما بين الأسنان، اختيار وجبة مدرسية متوازنة، شرب الماء، تقليل السكريات، وإجراء الفحوصات الدورية.

هذه الممارسات قد تبدو صغيرة إذا نظرنا إليها بشكل منفصل، لكنها مع مرور الوقت تصنع فرقًا كبيرًا في صحة الطفل.

وأخيرًا: صحة أسنان أبنائنا ليست مسؤولية طبيب الأسنان وحده، وليست مهمة موسمية تبدأ عند الألم وتنتهي بعد العلاج. إنها مسؤولية تبدأ في المنزل، وتتعزز في المدرسة، ويكملها الطبيب بالتوعية والوقاية والعلاج عند الحاجة.