الكاتب : عبدالله الكناني
التاريخ: ٢٠ أغسطس-٢٠٢٦       2860

بقلم: عبدالله الكناني 

هل سبق أن سمعت عن (سيادة الحدود الرقمية)؟ قد يبدو المصطلح حديثًا، لكنه يعبّر عن واحدة من أهم قضايا السيادة والأمن في عصر أصبحت فيه التقنية جزءًا من تفاصيل حياتنا، وأصبح من الممكن أن يكون مصدر التهديد خارج حدود الدولة بآلاف الكيلومترات، بينما يقع تأثيره في داخلها خلال ثوانٍ، فالدول لم تعد تحمي حدودها البرية والبحرية والجوية فقط، بل أصبح لها فضاء رقمي يحتاج إلى الحماية والتنظيم وصيانة الحقوق والمصالح الوطنية داخله.

 

فـ الحدود الرقمية لا نراها على الخرائط، لكنها تمر عبر شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والخدمات السحابية والمنصات والتطبيقات والأنظمة الحكومية والمالية، وصولًا إلى الهاتف الذي نحمله في أيدينا، ومن هنا نشأ مفهوم السيادة الرقمية بوصفه قدرة الدولة على حماية فضائها الرقمي وبياناتها وبنيتها التحتية ومؤسساتها ومواطنيها، وتطبيق أنظمتها في نطاق اختصاصها، مع المحافظة على الانفتاح والاستفادة من التقنية والاقتصاد الرقمي.

 

وهذا المفهوم لا يتعارض في أصله مع القانون الدولي، فالفضاء السيبراني ليس منطقة بلا قانون، وقد أكدت مسارات الأمم المتحدة أن القانون الدولي، بما فيه ميثاق الأمم المتحدة، ينطبق على استخدام الدول لتقنيات المعلومات والاتصالات، لكن الصعوبة تكمن في أن الإنترنت عابر للحدود؛ فقد تكون المنصة في دولة، والخادم في أخرى، ومصدر الهجوم في ثالثة، والمتضرر في دولة رابعة، وهو ما جعل التعاون الدولي وتطوير القواعد المنظمة للسلوك المسؤول في الفضاء السيبراني ضرورة متزايدة.

 

بحمد الله في المملكة العربية السعودية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا مع ما تحقق من تقدم في بناء منظومة وطنية للأمن السيبراني تتطور بالتوازي مع التحول الرقمي المتسارع، فقد جاءت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني باعتبارها الجهة المختصة والمرجع الوطني في شؤون الأمن السيبراني، لتقود منظومة متكاملة من السياسات والضوابط والأطر والمعايير، وتعزز الجاهزية وإدارة المخاطر وحماية الجهات والبنى التحتية والأنظمة الحساسة.

 

واللافت في التجربة السعودية أنها لا تقوم على انتظار الهجوم ثم التعامل مع نتائجه، وإنما تتجه إلى الوقاية والاستباق والحوكمة ورفع مستوى الالتزام، ويتضح ذلك من تطوير الضوابط الأساسية للأمن السيبراني، والضوابط المتعلقة بالأنظمة الحساسة والحوسبة السحابية، وإصدار الأطر الوطنية لإدارة المخاطر، في نهج يؤكد أن توسع الخدمات الرقمية يجب أن يصاحبه توسع مماثل في مستويات الحماية والجاهزية.

 

وتتكامل هذه الجهود مع منظومة تشريعية وتنظيمية متقدمة، من بينها نظام حماية البيانات الشخصية الذي يعزز حماية خصوصية الأفراد وينظم جمع البيانات ومعالجتها والإفصاح عنها ونقلها، إلى جانب نظام مكافحة جرائم المعلوماتية والأنظمة ذات العلاقة، وهذا التكامل بين الأمن السيبراني وحوكمة البيانات والتشريع يمثل أحد أهم عناصر بناء السيادة الرقمية؛ لأن البيانات أصبحت ثروة وطنية ومحركًا للاقتصاد والذكاء الاصطناعي وصناعة القرار.

 

غير أن الخطر الرقمي اليوم لم يعد مقتصرًا على اختراق جهاز أو سرقة معلومة، فهناك ما هو أكثر تعقيدًا: استهداف الوعي، فالمحتوى المسموم، والشائعات المنظمة، والحسابات الوهمية، والتزييف العميق، والمقاطع المصنوعة بالذكاء الاصطناعي قد تستخدم للتأثير في الرأي العام أو ضرب الثقة أو إرباك المجتمع، وهنا تصبح حماية الفضاء الرقمي مسؤولية تتجاوز الجهات المختصة لتصل إلى الفرد نفسه.

 

فـ المواطن الواعي هو خط دفاع مهم؛ يتحقق قبل أن ينشر، ويتأكد قبل أن يصدق، ويحمي بياناته، ولا يمنح التطبيقات صلاحيات بلا حاجة، ويدرك أن الصورة والصوت والفيديو لم تعد أدلة قاطعة على الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي.

 

إن تقدم المملكة في الأمن السيبراني، وما طورته من هيئات وأنظمة وضوابط وقدرات وطنية مواكبة للمستجدات، يؤكد أن التحول الرقمي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الخدمات والمنصات، وإنما بقدرة الدولة على حمايتها وبناء الثقة فيها ،فالمستقبل الرقمي يحتاج إلى الابتكار، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى الأمن والتشريع والوعي.

 

لقد اتسع مفهوم الحدود؛ فأصبحت هناك حدود للبيانات والشبكات والخصوصية والبنية التحتية، وأخطرها حدود الوعي، وقد يكون من يحاول تجاوزها خارج الدولة جغرافيًا، لكن تأثيره داخلها.

 من هنا تصبح السيادة الرقمية امتدادًا طبيعيًا لسيادة الدولة، وحمايتها مسؤولية وطنية مشتركة في عالم لم تعد حدوده كلها مرئية.