الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ يوليو-٢٠٢٦       3465

بقلم ـ د. غالب محمد طه
 
ما زلت أذكر بعض المشاهد التي رأيتها في بلدان عرفتها عن قرب. امرأة داهمها المخاض وهي تُنقل على محفة إلى مستشفى يبعد ساعات، وشيخ أنهكه المرض بينما يتناوب أبناؤه وجيرانه البحث عمن يقله إلى مدينة أخرى. لم يكن العلاج بالضرورة غائبًا دائمًا، لكنها المسافة كانت تقف بين المريض وفرصته في الوصول إليه وربما بينه وبين نجاته. وكان الطريق، في أحيان كثيرة، جزءًا من المعاناة، يطول فيرهق، أو يوعر فيؤخر، وربما يحسم مصيرًا كان يمكن أن يتغير لو كان المستشفى أقرب.
ظلت تلك المشاهد تعود إلى ذهني كلما قرأت خبرًا عن تطور طبي، وتترك ثمة أسئلة لا تبارح مخيلتي ويمكن حصرها: لماذا يظل المريض هو من يقطع كل هذه المسافة؟
لهذا استوقفني إعلان الشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني نجاح أول عملية جراحية روبوتية عن بُعد بين الرياض وجدة. لم أقرأ الخبر باعتباره نجاحًا لعملية طبية، أو امتدادا لشمول الخدمات وتوفرها ربما قراءته كإشارة إلى أن علاقة قديمة بين الإنسان والمكان بدأت تتغير.
في هذه التجربة، أجرى فريق جراحي في مدينة الملك عبد العزيز الطبية بالرياض عملية لمريض في مدينة الملك عبد العزيز الطبية بجدة عبر منظومة جراحة روبوتية، في إطار تكامل بين الفريقين الجراحيين في المدينتين. وقد ينشغل المختصون بما تحقق على المستوى التقني، أما الذي استوقفني فهو ما يفتحه هذا النموذج من أفق مختلف للرعاية الصحية.
طوال تاريخ الطب، ارتبطت الخبرة بالمكان. فحيث تستقر الخبرة الطبية، يتجه إليها المرضى. وفي المملكة، تغيّر كثير من هذه المعادلة بفضل ما شهدته المنظومة الصحية من تحول في ظل رؤية السعودية 2030، فأصبحت الخدمات الصحية المتقدمة حاضرة في مختلف المناطق على نحو لم يكن مألوفًا قبل سنوات.
 غير أن بعض الخبرات فائقة التخصص تظل بطبيعتها محدودة العدد، وهنا تبرز أهمية أن تنتقل الخبرة إلى المريض، بدلًا من أن يظل المريض هو من يسافر إليها.
يوحي ما جرى بين الرياض وجدة بأن هذه المعادلة بدأت تتغير. فبدلًا من أن يبحث المريض عن الخبرة، أصبحت الخبرة قادرة على الوصول إليه. وقد يبدو الفرق في الصياغة بسيطًا، لكنه في الحقيقة يعيد تعريف وظيفة المكان في الطب، ويخفف أحد أكثر الأعباء التي رافقت المرضى لعقود.
سيغيّر هذا التحول أيضًا دور المستشفيات خارج المدن الرئيسة. فكلما نضج هذا النموذج، أصبحت تلك المستشفيات أكثر قدرة على الاستفادة من خبرات تخصصية لم تعد حبيسة موقع جغرافي واحد، وأقرب إلى أن تكون امتدادًا فعليًا للمراكز الطبية المرجعية.
وربما لا يقف أثر ذلك عند المرضى وحدهم. فالطبيب أيضًا يتعلم حين يعمل إلى جوار خبرة أكبر منه، حتى وإن كانت على بعد مئات الكيلومترات. وما كان يتطلب في الماضي سنوات من التنقل بين المراكز الطبية، قد يصبح اليوم جزءًا من العمل اليومي داخل المستشفى نفسه، حيث تنتقل الخبرة مع كل عملية، لا بعد انتهائها.
وإذا كانت التقنية قد اختصرت المسافة داخل الوطن، فمن الطبيعي أن يمتد التفكير إلى ما هو أبعد. هل يأتي يوم تستطيع فيه المراكز الطبية المتقدمة في المملكة أن تدعم مستشفيات في دول تعاني نقص التخصصات الدقيقة، أو في مناطق أرهقتها الكوارث والنزاعات؟ قبل سنوات قليلة، كان هذا السؤال أقرب إلى الخيال العلمي. أما اليوم، فقد أصبح احتمالًا يستحق أن يُناقش.
وربما لا تكون قيمة هذا التحول في أنه أتاح إجراء عملية عن بُعد، بقدر ما تكمن في أنه جعل العلاج أقرب إلى الإنسان. فالغاية ليست أن تصبح الآلات أكثر تطورًا، وإنما أن تقل حاجة المريض إلى مغادرة بيته وأهله بحثًا عن طبيب بعيد. وكل خطوة تختصر هذه المعاناة تعيد إلى الطب شيئًا من رسالته الأولى.
ولعل من عاش في بلدان ما زالت المسافة فيها جزءًا من المرض، يدرك أكثر من غيره قيمة أن تصبح الخبرة هي التي تتحرك، لا المريض. فهذه ليست مجرد وسيلة جديدة لإجراء الجراحة، وإنما خطوة تعيد النظر في معنى العدالة في الوصول إلى الرعاية الصحية.
سيأتي يوم تصبح فيه مشاهد المرأة التي تبحث عن مستشفى بعيد، والشيخ الذي ينتظر وسيلة تقله إلى مدينة أخرى، جزءًا من ذاكرة جيل مضى. وعندها لن يكون أعظم ما أنجزته التقنية أنها طورت أدوات الجراحة، بل أنها قرّبت الطبيب من المريض، وأعفت الإنسان من قسوة الطريق.