الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ يوليو-٢٠٢٦       3850

بقلم - د- سعود عقل

لم تعد الإشاعة في زمن التقنية تحتاج إلى وقت طويل حتى تنتشر، فقد أصبحت ضغطة واحدة كافية لنقل معلومة مجهولة المصدر إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق معدودة. وهنا تكمن خطورة الإشاعة الرقمية؛ فهي لا تنتشر بالصوت فقط، بل تنتقل عبر الشاشات، وتترك آثارًا قد تمس الأفراد والمؤسسات والمجتمع بأكمله.

إن حرية التعبير قيمة مهمة في المجتمعات الحديثة، وهي تعكس وعي الإنسان وقدرته على إبداء رأيه ومناقشة القضايا التي تهمه، إلا أن هذه الحرية تقترن دائمًا بالمسؤولية. فهناك فرق كبير بين إبداء الرأي المبني على قناعة أو معلومة صحيحة، وبين نشر أخبار غير موثوقة أو ترويج معلومات مضللة قد تسبب ضررًا للآخرين.

لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي مفهوم النشر؛ فلم يعد مقتصرًا على المؤسسات الإعلامية، بل أصبح كل مستخدم قادرًا على صناعة المحتوى ونشره. وهذه القدرة الكبيرة تمنح الفرد تأثيرًا واسعًا، لكنها في الوقت نفسه تضع عليه مسؤولية أكبر في التحقق قبل المشاركة، لأن إعادة نشر معلومة خاطئة قد تكون مساهمة مباشرة في انتشارها.

وتكمن المشكلة في أن الإشاعة غالبًا ما تسبق الحقيقة؛ فالمعلومة غير الصحيحة تنتشر بسرعة لأنها تخاطب الفضول والمشاعر، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت وجهد لإثباتها وتصحيح آثارها. وقد يتعرض أشخاص أبرياء للضرر بسبب أخبار لم تخضع للتحقق، أو بسبب مقاطع مجتزأة أُخرجت من سياقها.

ومن الجانب القانوني، فإن الأنظمة لم تضع قيودًا على حرية التعبير، وإنما وضعت حدودًا لحماية المجتمع وحقوق الأفراد، فالمسؤولية لا تبدأ عند إنشاء الإشاعة فقط، بل قد تمتد إلى تداولها والمساهمة في نشرها متى ترتب على ذلك ضرر أو مخالفة.

إن مواجهة  الإشاعة الرقمية  لا تكون بالأنظمة وحدها، بل تبدأ من وعي المجتمع. فالمستخدم الواعي لا يكون ناقلًا لأي خبر يصل إليه، بل يتحقق من مصدره، ويفكر في أثره، ويدرك أن خلف كل معلومة أشخاصًا قد يتأثرون بها.

وفي النهاية، فإن التقنية أداة محايدة؛ يمكن أن تكون وسيلة للبناء ونشر المعرفة، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإضرار إذا غاب الوعي. وبين حرية التعبير والمسؤولية القانونية يبقى المعيار الحقيقي هو استخدام الكلمة بمسؤولية، لأن بعض الكلمات تُكتب في ثوانٍ، لكن آثارها قد تبقى طويلًا.