الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ أغسطس-٢٠٢٦       4015

بقلم ـ ابراهيم العلوش

تمثل رواية أبناء الطين للكاتب السوري أحمد عبد الكافي الحمادة، باكورة أعماله والأكثر غنى وثقافة في المشهد الروائي الخاص به، وهي تتناول موضوع البداوة والريف والمدينة عبر تجربة حية تلامس القارئ، وتجعله يلتفت إلى تاريخ حواضرنا الجديدة التي ما تزال البداوة معلقةً في تفاصيلها، حتى ليكاد يلمس ذلك في أنفاس أبنائها.

 

تجتمع في رواية( بناء الطين) أنماط العمران بمراحلها الثلاث: البداوة، والريف، والتمدن، وتعبّر هذه المراحل بطريقة تُقارب الواقعية السحرية التي اشتهر بها الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في رائعته الشهيرة (مائة عام من العزلة)، أشهر روايات ذلك التيار، الذي ساد في الأدب العالمي خلال الربع الأخير من القرن الماضي، وتُوِّج بحصول صاحبه على جائزة نوبل في الآداب.

 

تبدأ فاجعة قرية الشلال بغزوٍ مفاجئ يجتاحها على يد بدوٍ يتجمعون على تخومها، يضمرون الطمع في خيراتها، ويتخذون ذريعةً لذلك ادعاءَ خطف أخت شيخ القبيلة على يد فارس من القرية. ورغم كذب تلك المزاعم، فإن القرية وسكانها يدفعون ثمنًا باهظًا، إذ يخسرون جميع رجالها تقريبًا، ولا يبقى إلا فتىً كسيح نجا مصادفةً مع مجموعة من النساء.

 

تهرب نساء القرية من بين الجثث، خوفًا من عودة الغزاة، في قافلة جنائزية تحمل ما تبقى من الأغذية والمواشي، متجهاتٍ إلى جبل مجاور بقيادة امرأة تُدعى ذيبان، لم يبقَ لها سوى ابنها الوحيد خالد، الذي يعاني إعاقةً في أطرافه السفلية.

 

تعيش النساء في مغارة نائية على سفح جبل، وبعد تنظيفها وتأمينها من الحيوانات الضارية، وتنظيم شؤون الحياة فيها، يسود جوٌّ عجائبي يتأرجح بين الواقع والخيال؛ إذ تنظم النساء شؤون المأكل والرعاية، وتُنظَّم حياتهن بما يضمن لهن الاستمرار في الحياة، والمحافظة على مواشيهن، ريثما يستطعن تجاوز المأساة التي أحرقت قلوبهن بعد مقتل آبائهن وأبنائهن وأزواجهن على أيدي الغزاة الذين هبطوا على القرية ككارثة مفاجئة.

 

ويبدأ خالد، الذكر الوحيد المتبقي من أهل القرية، مع بلوغه سلسلة طويلة من الزيجات بهدف الحفاظ على نسل القرية، بينما تتولى أمه تنظيم هذه الزيجات، فتبدأ بأرامل القرية المعروفات بقدرتهن على الإنجاب، ثم تنتقل إلى الفتيات الأبكار، مما يحول القرية من جديد إلى فضاءٍ يقوم على التكاثر واستمرار النسل. وينجب خالد أعدادًا كبيرة من الأبناء والبنات، رغم إصرار أمه على أن يطلّق كل امرأة لا تنجب إلا البنات، سعيًا إلى إعداد جيش ينتقم من الغزاة الذين أبادوا رجال القرية.

 

وتشاء الصدف أن تتقاطع مأساة القرية مع نهاية الدولة العثمانية؛ إذ تمر قافلة تضم بعض القادة والجنود العثمانيين المتجهين إلى تركيا، فيعجزون عن حمل متاعهم، فيدفنون كنوزهم وأوراقهم في مكان ما على الجبل، بعد أن أجبروا النساء على إطعامهم وإطعام مواشيهم.

 

ويستولي خالد وأبناؤه على محتويات الصناديق العثمانية المملوءة بالليرات الذهبية، ثم يدفنونها في مخابئ متعددة داخل القرية خشية استيلاء نساء القرية عليها. ويحتفظ خالد وأمه واثنان من أولاده بسر الثروة الذهبية، ولا يفشون إلا أمر الأوراق والأختام والأوسمة التي عثروا عليها، إذ بدت بلا قيمة بعد انهيار الدولة التي كانت تمنحها أهميتها.

 

وتتطور أحوال خالد وأبنائه بعد استيلائهم على الثروة، فينتقلون من نمط العمران الزراعي إلى العمران المديني؛ إذ يصبح خالد أحد أشهر تجار العقارات في مدينة حلب، بعد أن كان الغزو البدوي قد أباد جميع رجال القرية، وبقي هو مستمتعًا بالثراء والنساء وأسباب القوة والرفاهية التي بلغها في المدينة.

 

وتصر الأم على الانتقام، وتستنكر استسلام خالد للرفاهية والاستمتاع بالثروة ونسيان دماء أهله الذين بذلوا أنفسهم دفاعًا عن نسائهم وأولادهم وبيوتهم، وذهبت دماؤهم هدرًا على أيدي الغزاة المعتدين. غير أن خالد يضع لها خطة ترضي رغبتها في الانتقام، تبدأ بالاستطلاع وجمع المعلومات عن القبيلة التي غزتهم، قبل أن تتفرق في البادية الشامية وجبال عبد العزيز.

 

ويمتلك خالد القصور والضياع، ويتخرج أولاده وأحفاده وأبناء أحفاده أطباء ومهندسين وتجار عقارات، ويعيش حياة الترف والقصور والثقافة، ويدير ثروة طائلة جناها سرًا من بقايا الدولة العثمانية، متكتمًا على أسباب ثرائه، ومستعرضًا قوته أمام الخادمات والزوجات والأحفاد.

 

لكنه سرعان ما يصل إلى بغيته من خلال الطبيب نواف المطلق، الذي يروي قصة حياته وحياة أجداده البدو، فيلمح في سيرته طيف الغزاة الذين دمّروا قريته وقتلوا أهله، ويستدل على تفاصيل كانت غائبة عنه، ولا سيما بعد أن علم أن والده ذيبان لم يمت في الغزو، وإنما غادر القرية متتبعًا آثار الغزاة، حتى تمكن من قائدهم "الذيب الأحمر".

 

تمتاز الرواية بتلقائية السرد وقربه من القلب، وكأنها سيرة عائلية توشك أن تتجسد أمام القارئ بكل تفاصيلها وعذاباتها، ولا سيما في فصل الهجرة إلى الجبل، وتنظيم حياة النساء، وتربية الماشية، قبل العثور على الثروة التي أنهت مرحلة الحياة الزراعية، لتبدأ المرحلة المدينية بما اتسمت به من ثراء ورفاهية وأموال جعلت العائلة أشبه بإمبراطورية عقارية.

 

وتبدو الحياة البدوية بعيدة في الرواية، لكنها تتاخم حدود الحياة الريفية شبه الحضرية وتمسها بنار الغزو المتقدة، حيث يتكاتف البدو مشكلين اندفاعة الحماسة التي تحدث عنها ابن خلدون. غير أن هذا الغزو لا يلد عمرانًا جديدًا، بل إن الضحايا هم الذين تحدوا الموت، واستعادوا روح الحماسة، وأوقدوا نارها حفاظًا على حياتهم، حتى ازدهر نسلهم من جديد على يد خالد، الذي كان يُعد ميؤوسًا منه في زمن الرجال، لكنه غدا بديلًا عنهم، وتزوج، تباعًا، معظم نساء القرية، وكأنه يحقق حلمًا طفوليًا طال انتظاره.

 

كما يمكن رصد أوجه تشابه واضحة بين رواية أبناء الطين للروائي أحمد عبد الكافي الحمادة ورواية مائة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز، إلا أن هذا التشابه يقع في مستوى البنية السردية والتقنيات الفنية، لا في مستوى الأحداث أو الشخصيات أو الحبكة. فلكل رواية عالمها الخاص، ورؤيتها الفكرية المستقلة، ومرجعيتها الثقافية المختلفة.

 

تلتقي الروايتان أولًا في اعتمادهما على العائلة كونها محورًا للسرد، إذ تتحول الأسرة في كل منهما إلى مرآة تعكس تحولات المجتمع بأسره. ففي مائة عام من العزلة يروي ماركيز تاريخ قرية ماكوندو من خلال عائلة بوينديا، بينما تجعل أبناء الطين من عائلة خالد محورًا لرصد التحولات التي شهدها المجتمع السوري، منذ المجتمع الزراعي المتماسك إلى المجتمع المديني القائم على التجارة والعقار.

 

ومن أبرز عناصر التشابه أيضًا امتداد السرد عبر أجيال متعاقبة، فلا يقتصر البناء الروائي في العملين على سيرة بطل واحد، بل يتابع حياة الأبناء والأحفاد، لتصبح الرواية سجلًا للتحولات الاجتماعية والتاريخية التي تصيب الأسرة والمكان معًا. وهذا الامتداد الزمني يمنح الروايتين طابعًا ملحميًا يربط المصير الفردي بالمصير الجمعي.

 

كما تشترك الروايتان في توظيف بعض تقنيات الواقعية السحرية، وإن بدرجات مختلفة. ففي رواية ماركيز تمتزج الأحداث الخارقة بالحياة اليومية حتى تبدو جزءًا طبيعيًا من العالم الروائي، أما في أبناء الطين فإن العجائبية تنبع من غرابة الوقائع نفسها، مثل نجاة الذكر الوحيد من المجزرة، وتحوله إلى وسيلة لإعادة بناء القرية، والعثور على كنز عثماني يغير مصير العائلة، وهي أحداث تظل مرتبطة بمنطق الواقع الاجتماعي، وإن حملت طابعًا استثنائيًا.

 

وتلتقي الروايتان كذلك في أن بدايتهما تقوم على لحظة تأسيس كبرى تنشأ من الخراب؛ ففي مائة عام من العزلة يولد مجتمع جديد مع تأسيس ماكوندو، بينما تبدأ أبناء الطين بإعادة تأسيس الحياة بعد إبادة رجال القرية، فتتحول المأساة إلى نقطة انطلاق لبناء مجتمع جديد. كما تحضر في العملين فكرة الزمن الممتد الذي تتكرر فيه أنماط الصراع والطموح والعنف، بحيث يبدو التاريخ وكأنه يعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال.

 

ومن أوجه التشابه أيضًا حضور التاريخ داخل السرد؛ فالروايتان لا تكتفيان بحكاية عائلية، بل تربطان مصائر الشخصيات بالأحداث الكبرى. فإذا كان ماركيز يستحضر الحروب الأهلية والتحولات السياسية في أمريكا اللاتينية، فإن أبناء الطين تستثمر نهاية الدولة العثمانية والتحولات العمرانية والاجتماعية التي نقلت المجتمع من البداوة إلى الريف، ثم إلى المدينة.

 

ومع ذلك، تبقى الفروق بين الروايتين جوهرية. فـمائة عام من العزلة تنشغل بأسئلة العزلة والذاكرة والسلطة ودور الإنسان في مواجهة الزمن، بينما تجعل أبناء الطين مفهوم العمران، كما صاغه ابن خلدون، محورًا لرؤيتها الفكرية، فتقرأ تطور المجتمع من خلال الانتقال بين أنماط البداوة والريف والتمدن، وتربط ذلك بالاقتصاد والثروة والعلاقات الاجتماعية.

 

لذلك يمكن القول إن العلاقة بين الروايتين ليست علاقة محاكاة أو استنساخ، وإنما هي علاقة تقاطع في بعض الأدوات الفنية والرؤية الملحمية، مع احتفاظ كل رواية بخصوصيتها الثقافية والفكرية. وإذا كان ماركيز قد صاغ ملحمة أمريكا اللاتينية، فإن أبناء الطين تسعى إلى تقديم ملحمة اجتماعية عربية تستلهم التاريخ المحلي، وتعيد قراءة تحولات المجتمع السوري في إطار سردي يجمع بين الواقعية والخيال، ويمنح التجربة الروائية أفقًا إنسانيًا واسعًا.

لكن رواية (أبناء الطين) تظل رواية مدهشة، تتأرجح بين الشكل العائلي الحميم والشكل العجائبي المثير للخيال، وتلخص تاريخًا طويلًا في الفن الروائي، وتنتقل بعجائبية بين أنماط العمران، وتفتح ذاكرة القارئ العربي على أنماط التحضر المتلاحقة التي عاشها خلال العقود الماضية. فقد انتشل التطور الحضري أجزاءً واسعة من العالم العربي من نمط البداوة إلى النمط الريفي، ثم إلى النمط العقاري المديني الذي ساد كثيرًا من الحواضر العربية بأشكال متعددة، تراوحت بين الطابع الطفيلي والطابع البنّاء، غير أن الجميع وصل إلى النمط الحديث منهكًا، ولم يستوعب كثيرون بعدُ تاريخهم المتغير بسرعة تسابق مخيلة الكاتب، الذي نجح في رصد هذه التحولات وتلخيصها بأسلوب حميم ومؤثر.