بقلم: عبدالله الكناني
ليس أثقلَ على السمع من إنسانٍ يتحدث عن نفسه كما لو أنه يتلو على الناس سيرةَ بطلٍ لا يأتيه النقص من بين يديه ولا من خلفه، ولا أشدَّ إثارةً للنفور من رجلٍ يصنع لنفسه منبرًا، ثم يقف عليه خطيبًا ومادحًا ومصفقًا ومستمعًا في آنٍ واحد.
فالثناء الذي يخرج من فم صاحبه يفقد كثيرًا من هيبته، والمدح الذي يُستدرج من أفواه الآخرين يفقد صدقه؛ لأن الفضائل الحقيقية لا تحتاج إلى منادٍ يطوف بها في المجالس، ولا إلى مستأجرٍ يرفع صوته بذكرها، وإنما تحتاج إلى أثرٍ يشهد لها، وسيرةٍ تتحدث عنها، ومواقف تبقى بعدما تنفضّ المجالس ويسكن الضجيج.
أما المديح المصنوع، فهو كغلاف السلوفان؛ لامعٌ من الخارج، رقيقٌ من الداخل، قد يلفت الأنظار إلى ما يغلفه، لكنه لا يغيّر حقيقته، ولا يضيف إلى جوهره قيمة،وربما بهر الأبصار لحظة، غير أنه سرعان ما يُنزع ويُرمى جانبًا حين ينكشف ما تحته.
كتبتُ هذه الكلمات بعدما شاهدت مقاطع متداولة من حفل زواجٍ تحوّل فيه الفرح من مناسبةٍ اجتماعية جميلة إلى ساحةٍ لاستجداء المديح، واستعراض الأسماء والألقاب، وتوثيق حضور أصحاب المناصب والوجاهات.
كان بعض الحضور يُقدَّم بأوصافٍ مطوّلة، وتُكال له عبارات التفخيم والتبجيل، حتى خُيّل إلى المتابع أن الغاية لم تعد تكريم الضيف والترحيب به، بل تسجيل حضوره، وإثبات أن فلانًا من "علية القوم" قد جاء، وأن صاحب المناسبة استطاع أن يجمع حوله أسماءً يفاخر بها أمام الناس.
بدا ظاهر المشهد تكريمًا، بينما كان باطنه استجداءً للثناء، وبحثًا عن الوجاهة، واستعارةً للمكانة من مقامات الحاضرين،وظهر بعض الضيوف في حرجٍ من ألقابٍ وصفاتٍ أُغدقت عليهم، وكأن تواضعهم يستحي من مبالغة المعرِّف، أو كأنهم يقولون بصمتهم: جئنا لنشارككم فرحتكم، لا لنكون معروضاتٍ في سجلٍّ للأسماء والمناصب.
فالضيف الكريم لا يحتاج إلى خطبةٍ تُرفع بها مكانته، ولا إلى سلسلةٍ من الصفات تحاصره، ولا إلى أن يتحول حضوره الإنساني إلى مادةٍ للتباهي،يكفيه أن يُستقبل بمحبة، وأن يُكرم بلا تكلّف، وأن يُشكر بعبارةٍ تحفظ له قدره وتواضعه، من غير أن تضعه في موضع الحرج أو تجعله أداةً في استعراض اجتماعي.
وحين تتحول المناسبات الاجتماعية، ولا سيما حفلات الزواج، إلى منصاتٍ للمفاخرة والمدح الممقوت، فإنها تفقد شيئًا من صفائها ومعناها الإنساني،فالزواج سكينةٌ ومودة، وفرحٌ يتقاسمه الأهل والأقارب والأصدقاء، وليس مسرحًا لتعداد الرتب، ولا معرضًا لإثبات النفوذ، ولا سجلًا مصورًا لإحصاء من حضر من أصحاب المناصب والوجاهات.
إن الضيف يحضر ليشارك أهل المناسبة فرحتهم، لا ليكون شاهدًا على مكانتهم، ولا درجةً في سُلَّم وجاهتهم، ولا اسمًا يُشهَر أمام الكاميرات لإثبات اتساع علاقاتهم،وعندما يُنظر إلى الإنسان من خلال منصبه لا من خلال أخلاقه ومحبته وصدق مشاركته، تتحول الضيافة من قيمةٍ اجتماعية نبيلة إلى وسيلةٍ للاستعراض، ويتراجع معنى الوفاء أمام رغبة التفاخر.
وما هذه الممارسات إلا مظاهر طارئة صنعتها نفوسٌ تظن أن قربها من أصحاب المناصب يرفع قدرها، وأن تصويرهم وتضخيم أسمائهم يضيف إلى مكانتها الاجتماعية،والحقيقة أن من استمد قدره من أسماء الآخرين ظل قدره مستعارًا، ومن احتاج إلى أن يثبت مكانته بضيوفه، فقد أعلن من حيث لا يدري أنه لا يثق بما لديه من قيمة.
فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى أسماء الآخرين كي يُعرّف بنفسه، ولا يستمد احترامه من مقاعد الشرف، ولا يبني مكانته من الصور والمقاط،مكانته في أخلاقه، وقيمته في أثره، ووجاهته الحقيقية في محبة الناس الصادقة له، لا في كثرة من يظهرون إلى جواره.
والأشد إيلامًا أن يتحول صاحب المناسبة من مستضيفٍ يفرح بضيوفه إلى جامعٍ للألقاب، يستدعي الثناء، ويرتب المشهد ليقال عنه إنه صاحب علاقاتٍ واسعة، أو إن مجلسه جمع الكبراء والوجهاء،وحينئذٍ لا يعود الضيف ضيفًا، بل يصبح شاهدًا يُستدعى لإثبات مكانة المستضيف، وتتحول المناسبة من مشاركةٍ وجدانية إلى وثيقةٍ للمباهاة.
ولا يقتصر المدح الممقوت على أن يمدح المرء نفسه بلسانه، بل قد يكون أشدَّ سوءًا حين يستأجر من يتولى المهمة عنه؛ فيرفع شأنه، ويعدد مناقبه، ويضفي عليه من الصفات ما لا يعرفه الناس فيه، ظنًا منه أن كثرة المصفقين تصنع الحقيقة، وأن تكرار المديح يحوّل الوهم إلى يقين.
غير أن الناس أذكى من أن تُخدع بمثل هذه المظاهر، وأبصر من أن يحجب غلاف السلوفان حقيقة ما تحته،فهم يدركون الفرق بين التكريم الصادق والمديح المستجدى، وبين الترحيب الكريم والتملق المصنوع، وبين من يحترم ضيوفه لذواتهم، ومن يتخذهم سلّمًا يصعد به إلى وجاهةٍ يتوهمها.
إن الشجرة المثمرة لا تُسمع لها جلبة، ولكن الناس يقصدون ظلها وثمرها،أما الشجرة اليابسة، فإنها أكثر الأشجار صريرًا حين تهزّها الرياح،وكذلك الرجال؛ كلما عظم العمل قلّ الكلام عنه، وكلما ضؤل الإنجاز ارتفع ضجيج الدعاية من حوله.
وقد وضع القرآن الكريم ميزانًا خالدًا يحسم هذه القضية، فقال سبحانه:
*﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾*[النجم: 32]
لم ينهَ القرآن عن العمل الصالح، ولا عن أن يكون الإنسان صاحب فضل، وإنما نهى عن تزكية النفس؛ لأن الفضيلة شيء، وادعاء الفضيلة شيء آخر.
فالعمل الصالح يرفع الإنسان، أما إحصاء فضائله أمام الناس، وتكرار مناقبه على أسماعهم، فقد ينتقص من قيمتها ويضعها موضع الشك.
إنها ليست وصيةً عابرة، بل منهجٌ في تهذيب الشخصية وتقويم علاقتها بذاتها وبالآخرين. فتزكية النفس ليست حقًا يحتكره صاحبها، وإنما شهادة تمنحها المواقف، ويقررها الناس بعد تجربة، ويعلم حقيقتها الله الذي لا تخفى عليه السرائر.
ومن زكّى نفسه فقد استعجل حكمًا ليس له، وطلب من الناس أن يصدقوا لسانه قبل أن يروا أثره،ومن استأجر من يزكيه، فقد جمع إلى ضعف الحجة ضعف الثقة، وكأنه لم يطمئن إلى عمله، فاستعان بالصوت المرتفع ليغطي به تواضع الإنجاز.
ولهذا كان أهل الصلاح يخافون المدح أكثر مما يخافون الذم؛ لأن الذم قد يوقظ النفس ويحثها على المراجعة، أما المدح المفرط فقد يخدّرها، ويزرع فيها وهم الكمال، ويغلق أمامها أبواب الإصلاح والنقد.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]
والمرح ليس مشية القدم وحدها؛ فقد يكون مشية اللسان حين يتبختر بصاحبه، ومشية القلم حين يكتب أمجادًا لم تُصنع، ومشية الكاميرا حين تضخّم المشهد، ومشية المنصة حين ترفع الأسماء فوق مقاديرها، وتحوّل التكريم إلى استعراض، والفرح إلى منافسةٍ في الظهور.
وقد حذّر النبي ﷺ من الإغراق في المديح، فقال:
"إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التراب".
والمقصود زجر المدح الذي يتحول إلى صناعةٍ للنفاق، أو وسيلةٍ للتكسب، أو بابٍ لإفساد القلوب، وليس منع الكلمة الصادقة التي تُقال بقدرها وفي موضعها.
فالمدح المفرط لا يرفع الممدوح، بل قد يحمّله ما ليس فيه، ويغريه بنفسه، ويجعله أسير الصورة التي رسمها له المنتفعون والمتكسبون.
كما قال ﷺ:
"من تواضع لله رفعه الله".
فمن أراد الرفعة، فطريقها ليس أن يرفع صوته باسمه، بل أن يخفض جناحه للناس. وليست المكانة في كثرة من يصفقون لك، بل في كثرة من ينتفعون بك، ولا في عدد من يرددون أوصافك، بل في عدد المواقف التي تشهد لك حين لا تكون حاضرًا.
وقال زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ
وهذا بيتٌ يختصر القضية كلها؛ فما يستقر في النفس لا بد أن يظهر، وما يحاول الإنسان تغطيته بالمبالغة تكشفه الأيام،فالناس تعرف المتواضع وإن لم يعلن تواضعه، وتعرف المتكلف وإن أحاط نفسه بالمدّاحين؛ لأن الطباع تتسرّب من بين الكلمات، وتظهر في المواقف، وتنكشف في طرائق التعامل مع الناس.
وقد قالت العرب: من مدح نفسه فقد ذمّها؛ لأن مادح نفسه يضع السامع في موضع الشك، وكأنه يستحثه على البحث عما وراء هذا الادعاء. فالفضيلة الواثقة لا تدافع عن نفسها كثيرًا، ولا تطرق الأبواب لتُعرّف بأصحابها، كما أن المسك لا يحتاج إلى من يشرح عطره، والشمس لا تستأجر من يعلن طلوعها.
ومن الظواهر المؤلمة في زماننا أن بعض الناس لم يكتفِ بمدح نفسه، بل استأجر من يصنع له بطولةً موهومة، ويكتب له عبارات الثناء، ويغدق عليه الألقاب، ويستخرج من حضوره العادي قصةً استثنائية؛ حتى يظن المتابع أن أمامه شخصيةً صنعت التاريخ، فإذا اقترب من الحقيقة لم يجد سوى صدى مرتفع لعملٍ متواضع.
وقد يجد الإنسان من يصفق له، ومن يكتب عنه، ومن يُكثر من ذكره، لكنه لا يستطيع أن يستأجر احترام الناس،يستطيع شراء العبارة، لكنه لا يشتري القناعة، ويستطيع صناعة المشهد، لكنه لا يصنع المكانة، ويستطيع جمع الأضواء، لكنه لا يضمن أن يكون جديرًا بها.
فالحقيقة لا تُستأجر، والهيبة لا تُسوَّق، والمكانة لا تُشترى، والتاريخ لا تكتبه الإعلانات، بل تكتبه المواقف، ويوقّعه الزمن، ويحفظه الناس في ذاكرتهم.
إن احترام الناس لا يُنال بتعداد المناقب، وإنما يُنال حين يغيب الإنسان فيبقى أثره حاضرًا، وحين يُذكر اسمه فتنهض معه مواقف الخير والوفاء،أما من يسبق اسمه بألقابه، ويلحقه بقائمة إنجازاته، ويحيط نفسه بمادحيه، فإنه يشبه من يعلّق على باب بيتٍ خاوٍ لوحةً كبيرة كُتب عليها:"قصر عظيم".
والذين يصنعون لأنفسهم مرايا مكبّرة لا يرون إلا صورهم، ثم يظنون أن العالم يراها بالحجم نفسه،غير أن الناس يزنون الرجال بميزان التجربة، لا بميزان الدعاية، ويعرفون الفرق بين من يخدم بصمت، ومن يعلن كل خطوة، وبين من يرفع العملُ اسمَه، ومن يحاول أن يرفع اسمَه فوق عمله.
إن الكبار لا يقولون: انظروا إلينا، بل يجعلون أعمالهم تقول: انظروا ماذا صنعنا،ولا يحتاج صاحب المكانة الحقيقية إلى استعراض معارفه، أو تصوير علاقاته، أو إحصاء أسماء من زاروه؛ لأن قيمته قائمة بذاتها، لا مستعارة من مقامات الآخرين.
أما المناسبات الاجتماعية، فينبغي أن تبقى ميادين للمحبة والتراحم، لا مسارح للغرور والمفاخرة. وينبغي أن يكون الضيف فيها محل تقديرٍ صادق، لا أداةً للدعاية، وأن يكون الترحيب به نابعًا من الوفاء، لا محمّلًا بأغراض الظهور واستجلاب الثناء.
اعمل حتى يتحدث الناس عنك، ولا تتحدث أنت عن نفسك. ودع سيرتك تُكتب في القلوب قبل الصحف، وبالمواقف قبل الكلمات.
فإن الثناء الذي يأتيك من غير طلب أصدق، والمكانة التي يبنيها العمل أبقى، والاحترام الذي ينمو في صمت أشد رسوخًا من شهرةٍ يصنعها الضجيج.
وأخيرًا…
لا تمدح نفسك، ولا تستأجر من يمدحها، ولا تجعل مناسباتك معرضًا للألقاب والأسماء، ولا تحوّل ضيوفك إلى درجاتٍ في سُلَّم وجاهتك،أكرم الناس لذواتهم، لا لمناصبهم، وافرح بمن حضر محبةً ومشاركة، لا بمن حضر ليكون اسمه مادةً للتصوير والتفاخر.
ولا تستغفل القوم؛ فهم أعرف مما تتصور، ويرون ما وراء غلاف السلوفان، ويميّزون بين الذهب الخالص والطلاء اللامع، وبين صاحب الأثر وصاحب المظهر، وبين من يصنع المجد بصمت، ومن يستأجر من يصنع له ضجيج المجد.