الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٦       3465

بقلم - الدكتور خلف بن مسيب 

تبقى بعض الأيام عالقة في الذاكرة مهما طال بها الزمن، لا تمحوها السنين ولا تنال منها الأيام، لأنها كُتبت بالخوف والدعاء، وانتهت بحمد الله وفضله.

ومن تلك الأيام التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي  سيلة عفيرا  بمدينة عرعر عام 1399هـ، حين هطلت أمطار غزيرة لم يشهد الناس مثلها، وتحولت الأودية إلى سيول عارمة جرفت كل ما اعترض طريقها، واقتلعت جدران بعض المنازل، وغمرت الشوارع حتى أصبحت المدينة وكأنها بحر متلاطم.

في ذلك اليوم كنت برفقة والدي ـ رحمه الله ـ داخل السيارة، نحاول الوصول إلى منزلنا في حي الفيصلية. لكن قوة السيل كانت أكبر من قدرتنا على مواصلة الطريق، فتوقفت السيارة وغمرتها المياه، ولم يكن أمامنا إلا أن نتركها ونسير على أقدامنا، نتلمس طريقنا وسط الماء والخطر.

وبينما نحن نسير، وقع والدي في حفرة كانت أمام أحد المنازل، وقد أخفاها السيل فلم تظهر للعيان. كانت لحظات عصيبة لا تزال تفاصيلها محفورة في الذاكرة؛ فقد غاب عن الأنظار تحت الماء، وخشيت أن أفقده أمام عيني. لكن الله سبحانه كان ألطف بنا من خوفنا، وأرحم بنا من ضعفنا، فبعد محاولات شاقة استطاع أن يخرج سالماً، ثم أكملنا طريقنا حتى وصلنا إلى منزلنا، وقد كتب الله لنا النجاة.

رحم الله والدي رحمة واسعة، فما زلت كلما تذكرت ذلك اليوم رأيت شريط الأحداث وكأنه وقع بالأمس. أدركت حينها أن الإنسان مهما بلغ من قوة أو احتياط، يبقى ضعيفاً أمام قدرة الله، وأن النجاة ليست بالأسباب وحدها، وإنما بتوفيق الله ورحمته.

لقد كانت  سيلة عفيرا  درساً لأهل عرعر جميعاً؛ علمتهم أن نعمة الأمن ليست أمراً اعتيادياً، وأن المطر، رغم كونه رحمة، قد يتحول إلى ابتلاء إذا تجاوز حدوده، وأن الإنسان لا يملك أمام قضاء الله إلا أن يلجأ إليه متوكلاً ومستعيناً.

تمر الأعوام، وتتعاقب الفصول، لكن تبقى بعض الذكريات شاهدة على لطف الله، وتبقى تلك الحوادث تذكرنا بأن الحياة قد تتغير في لحظات، وأن الحمد لله بعد النجاة نعمة لا تقدر بثمن.

رحم الله والدي، ورحم من رحل من أهل تلك الأيام، وحفظ الله بلادنا وأهلها من كل سوء، وجعل أمطارها أمطار خير وبركة، لا أمطار ضرر وهلاك.....