النهار

٢٥ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يوليو-٢٠٢٦       4345

بقلم ـ عبدالله الكناني

تكشف التحولات المتسارعة في المنطقة العربية أن زمن الميليشيات التي عاشت على الفوضى، واستمدت قوتها من الارتباط بالخارج، يقترب من نهايته. فقد تآكلت شرعيتها، وانكشفت أهدافها، وسقطت كثير من الشعارات التي تسترت بها طويلًا لتبرير وجودها المسلح خارج إطار الدولة.

ومن غزة إلى ضاحية بيروت، ومن بغداد إلى صنعاء، برزت جماعات رفعت شعارات المقاومة والتحرير، ثم تحولت تدريجيًا إلى قوى تفرض إرادتها بالسلاح، وتختطف القرار الوطني، وتزج بالشعوب في صراعات لا تخدم أوطانها، بل تحقق مصالح قوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها وإدارة معاركها عبر وكلاء محليين.

وقد أثبتت التجارب أن هذه الجماعات لم تُبنَ لتقيم دولة، ولا لتصنع تنمية، ولا لتحمي مؤسسات وطنية، بل وُجدت لتكون أداة ضغط، وذراعًا عسكرية، ووسيلة ابتزاز سياسي وأمني ،ولذلك لم يكن غريبًا أن ترتبط مسيرتها بالحروب، والانقسامات، وانهيار الاقتصاد، وهجرة الكفاءات، وتراجع الخدمات، واتساع الفقر.

تنهض الدولة الحديثة على سيادة القانون، ووحدة القرار السياسي والعسكري، وحصر استخدام القوة في مؤسساتها الشرعية،وكلما برزت جماعات مسلحة تدين بولاءات تتجاوز حدود الوطن، تراجعت هيبة الدولة، واضطربت مؤسساتها، وتحول الوطن إلى ساحة نفوذ تتصارع فيها المشاريع الخارجية.

غير أن المشهد اليوم لم يعد كما كان،فقد اتسع وعي الشعوب، وانكشفت حقيقة الميليشيات التابعة، وبدأت حواضنها الاجتماعية والسياسية في التراجع بعدما أدرك الناس أن الشعارات لا تطعم جائعًا، ولا تبني مدرسة، ولا تشيد مستشفى، ولا توفر فرصة عمل، ولا تصنع مستقبلًا كريمًا للأجيال.

لقد سئمت شعوب المنطقة من الحروب المفتوحة، ومن المتاجرة بالقضايا، ومن تحويل الأوطان إلى ساحات صراع دائمة،ولم تعد مستعدة لمنح الشرعية لجماعات تجعل من السلاح وسيلة للحكم، ومن الولاء الخارجي طريقًا للنفوذ، ومن معاناة الناس وقودًا لمشروعاتها.

كما انكشف أن القوى التي دعمت هذه الأذرع لم تكن تنظر إليها بوصفها شركاء وطنيين، بل أدوات وظيفية تُستخدم حينًا، ويُتخلى عنها حينًا آخر،ومع تغير موازين القوى، بدأت هذه الأدوات تفقد قدرتها على الحركة، وتتراجع مكانتها، وتنكمش خياراتها، بعدما عجزت عن التحول من جماعات مقاتلة إلى كيانات سياسية وطنية تحترم سيادة الدولة وإرادة المجتمع.

ويعكس هذا التراجع أزمة عميقة في بنية الميليشيات نفسها؛ فهي لا تستطيع العيش في بيئة مستقرة، لأن وجودها يرتبط باستمرار الخطر والصراع،كما أنها تخشى الدولة القوية، لأن الدولة القوية تلغي مبررات السلاح الموازي، وتمنع تعدد مراكز القرار، وتعيد السلطة إلى المؤسسات الشرعية.

وفي المقابل، تتطلع شعوب المنطقة إلى نموذج مختلف؛ نموذج يقوم على التنمية، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والانفتاح على العالم. لقد أصبحت الشعوب تقارن بين دول تبني المدن والمشروعات، وتستثمر في الإنسان، وأخرى استنزفتها الميليشيات في الحروب والشعارات والولاءات العابرة للحدود.

ومن هنا، فإن الصراع الحقيقي لم يعد بين شعارات سياسية متنافسة، بل بين مشروعين واضحين: مشروع الدولة الوطنية التي تبني وتطور وتحمي مصالح مواطنيها، ومشروع الميليشيا التي تعطل الدولة، وتحتكر السلاح، وتستمد قوتها من الخارج، وتبقي المجتمع في حالة خوف واضطراب دائمين.

*لقد بدأ  أفول ميليشيات الأذناب  عندما فقدت ثقة الناس، وانكشف ارتباطها بالمشروعات الخارجية، وظهرت كلفتها السياسية والاقتصادية والإنسانية ولم يعد بإمكانها أن تخفي فشلها خلف الخطابات الحماسية، بعدما أصبحت النتائج ماثلة أمام الجميع: أوطان منهكة، واقتصادات مدمرة، ومجتمعات منقسمة، وأجيال محرومة من حقها في الحياة والاستقرار*.

إن مستقبل المنطقة لن تصنعه جماعات مسلحة تعمل خارج الدولة، ولن تحدده عواصم تستخدم الشعوب وقودًا لصراعاتها،بل سيصنعه المواطن الذي يرفض الارتهان، والدولة التي تستعيد سيادتها، والمؤسسات التي تفرض القانون على الجميع دون استثناء.

وقد حان الوقت لتستعيد الشعوب المغلوبة على أمرها قرارها، ولتنتهي ازدواجية السلاح والسلطة، ولتسقط الأوهام التي صنعتها الميليشيات حول قدرتها على البقاء إلى الأبد. 
فالتاريخ يؤكد أن الجماعات التي تعيش على الفوضى تسقط عندما تستعيد الدولة قوتها، وعندما يدرك المجتمع أن الاستقرار ليس ضعفًا، وأن التنمية ليست ترفًا، وأن السيادة لا تقبل الشراكة مع السلاح الخارج عن القانون.

*دقت ساعة اللاعودة لمشروعات الوكلاء، وبدأ زمن الدولة الوطنية القوية، الدولة التي تحمي أبناءها، وتصون قرارها، وتستثمر في مستقبلها، وترفض أن تكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين*.

فحين تسقط الميليشيات من وعي الشعوب قبل أن تسقط من الميدان، يبدأ التحرر الحقيقي، ويعود الوطن إلى أهله، وتفتح أبواب التنمية، وينتصر منطق الدولة على منطق الفوضى والسلاح.