النهار

٢٢ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ يوليو-٢٠٢٦       2585

بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

على ارتفاع يقارب 400 كيلومتر فوق سطح الأرض، تواصل محطة الفضاء الصينية عملها في مدارها حول الأرض. وهناك يجري رواد الفضاء تجارب علمية لدراسة سلوك المواد في بيئة الجاذبية الصغرى، وكيفية نمو النباتات في الفضاء.

وفي الوقت نفسه، وسط صحراء غوبي في منطقة شينجيانغ، تعكس آلاف المرايا الشمس نحو برج الامتصاص، لتحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء تغذي المدن المجاورة. ويعد هذا المشروع أحد أكبر مشروعات الطاقة النظيفة التي تنفذها الصين حاليا.

قد تبدو هاتان الصورتان متباعدتين، لكنهما تعكسان جانبا من مسيرة التطور العلمي والتكنولوجي في الصين.

فخلال العقد الماضي، شهدت الصين في عدد من المجالات التكنولوجية انتقالا من مرحلة "اللحاق بالآخرين" إلى مرحلة "السير جنبا إلى جنب معهم". فقد تجاوز إجمالي طول شبكة السكك الحديدية الفائقة السرعة 45 ألف كيلومتر، وهو ما يمثل نحو ثلثي إجمالي الشبكة العالمية، كما أصبحت شبكات الجيل الخامس تغطي جميع المدن الصينية على مستوى المحافظات، بينما حافظت السيارات العاملة بالطاقة الجديدة على صدارة الإنتاج والمبيعات عالميا لعدة سنوات متتالية.

لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في ترتيبها العالمي، بل في أثرها على حياة الناس.

ففي إحدى المناطق الجبلية النائية بمقاطعة سيتشوان، أصبح بإمكان الطلاب متابعة دروس أفضل المعلمين في المدن عبر التعليم عن بعد بفضل تغطية شبكات الجيل الخامس. وفي أحد المصانع بمقاطعة تشجيانغ، تعمل الروبوتات الذكية إلى جانب العمال، مما ساهم في رفع كفاءة الإنتاج بصورة ملحوظة. أما في القواعد الزراعية بمقاطعة هاينان، فتتولى منظومة بيدو للملاحة عبر الأقمار الصناعية توجيه الجرارات الزراعية بدقة أثناء عمليات البذر.

لقد أصبحت التكنولوجيا تدخل تدريجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية.

ويتبع التطور العلمي والتكنولوجي في الصين مسارا عمليا واضحا؛ فالتكنولوجيا ليست هدفا بحد ذاتها، وإنما وسيلة لحل المشكلات الواقعية.

ويقول أحد الفنيين العاملين في نشر تقنيات الزراعة الذكية في المناطق الريفية غربي الصين:

"المزارع لا يهتم إذا كانت التكنولوجيا متقدمة أم لا، بل يسأل سؤالا واحدا فقط: هل ستزيد إنتاجي؟ وهل ستخفض تكلفتي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فسوف يستخدمها."

وخلال السنوات العشر الماضية، ارتفعت كثافة الإنفاق الصيني على البحث والتطوير من نحو 2٪ إلى أكثر من 2.7٪، مع بناء منظومة متكاملة في مجالات متقدمة مثل المعلومات الكمية، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية.

لكن ما يكتسب أهمية متزايدة هو أن الصين لا تكتفي بتطوير التكنولوجيا داخل حدودها، بل تشارك أيضا خبراتها في مجالات الطاقة النظيفة، وتطبيقات الأقمار الصناعية، والبنية التحتية الرقمية مع الدول العربية.

ففي مجال الفضاء، نجحت الصين خلال شهر يناير 2026 في إطلاق القمرين الصناعيين الجزائريين للاستشعار عن بعد "الجزائر-3A" و"الجزائر-3B" خلال أسبوعين فقط. وجاء ذلك بعد التعاون السابق الذي أثمر عن تسليم القمر الصناعي الجزائري للاتصالات "ألكوم سات-1" عام 2017، ليشكل محطة جديدة في التعاون الفضائي بين الصين والجزائر وتجسيدا للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والدول العربية.

وفي ديسمبر 2025، نجح صاروخ "ليجيان-1" الصيني في وضع القمر الصناعي الإماراتي "813" في مداره. ويعد هذا القمر، الذي تم تطويره بصورة مشتركة بين الصين والإمارات، قمرا متقدما لرصد الأرض باستخدام تقنية التصوير الفائق الأطياف، وسيوفر بيانات دقيقة في مجالات مراقبة البيئة وإدارة الموارد الطبيعية.

أما في مجال الأرصاد الجوية، فقد أصبحت منصة بيانات أقمار "فنغيون" الصينية تقدم خدماتها إلى 17 دولة عربية، موفرة أربع فئات رئيسية وأكثر من أربعين نوعا من المنتجات والخدمات المناخية.

وفي مجال الطاقة النظيفة، يمثل مشروع المرحلة الرابعة من مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، الذي تنفذه شركات صينية، أكبر محطة هجينة للطاقة الشمسية المركزة والطاقة الكهروضوئية في العالم.

وقد تجاوز إجمالي إنتاج المشروع حتى الآن 6.68 مليارات كيلوواط ساعي، وهو ما يعادل خفض نحو ثلاثة ملايين طن من انبعاثات الكربون.

وفي المملكة العربية السعودية، وقعت شركة صينية مع شركائها السعوديين ثلاثة عقود لمشروعات جديدة للطاقة المتجددة، بإجمالي قدرة مركبة تبلغ خمسة جيجاواط، في خطوة تعكس التكامل بين مبادرة "الحزام والطريق" ورؤية السعودية 2030.

كما تشهد دول شمال أفريقيا تعاونا مماثلا، من خلال مشروعات مثل محطة كوم أمبو للطاقة الشمسية في مصر، ومحطة نور ورزازات للطاقة الشمسية في المغرب.

وفي مجال البنية التحتية الرقمية، تعاونت شركة الاتصالات الإماراتية "دو" مع شركة هواوي لنشر أول شبكة 5G-A في المنطقة.

أما في السعودية، فتشارك الشركات الصينية في تطوير شبكات الجيل الخامس، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، وحلول المدن الذكية، بما يدعم بناء بنية تحتية رقمية ذات قدرة تنافسية عالمية.

ويقوم هذا النوع من التعاون على مبدأ مختلف؛ فهو لا يهدف إلى تصدير نموذج جاهز، بل إلى تبادل الخبرات.

فلكل دولة طريقها الخاص في التنمية، لكن تبادل التجارب يمكن أن يجعل هذا الطريق أكثر سهولة وكفاءة.

وبطبيعة الحال، فإن أي مسيرة تكنولوجية لا تخلو من التحديات. فما تزال بعض المجالات، مثل الرقائق الإلكترونية والبرمجيات الأساسية، تواجه تحديات تحتاج إلى مزيد من الوقت. كما أن الانتقال من مرحلة "إمكانية الاستخدام" إلى مرحلة "أفضل مستوى ممكن" لا يتحقق بين ليلة وضحاها.

لكن مسار التطور العلمي والتكنولوجي في الصين يتميز بوضوح أهدافه على المدى الطويل؛ فهو لا يقوم على السعي إلى تحقيق تفوق سريع، بل على تراكم القدرات، وتحسين التقنيات، وحل المشكلات العملية خطوة بعد أخرى.

ويلخص أحد المهندسين الأجانب العاملين في الصين هذه الفكرة بقوله:

"نادرا ما يتحدث الناس هنا عن إحداث ثورة أو قلب كل شيء رأسا على عقب، بل يتحدثون عن التحسين المستمر. يقولون: هذا العام رفعنا دقة هذا الجزء بنسبة 5٪، وخفضنا التكلفة بنسبة 10٪. إنهم يؤمنون بالتطوير التدريجي أكثر من القفزات المفاجئة."

وربما لا تكمن القيمة الحقيقية للتطور العلمي والتكنولوجي في الصين في الأرقام القياسية أو الإنجازات اللافتة، بل في قدرته على معالجة مشكلات الناس اليومية؛ فمن خلاله يحصل طلاب المناطق النائية على فرص تعليم أكثر تكافؤا، ويتمكن المزارعون من تحقيق إنتاج أكبر بتكاليف أقل، ويستمتع سكان المدن بهواء أكثر نقاء.

إن الصين، وهي تمضي بثبات في طريق الابتكار، تسعى إلى تحويل كل تقدم تكنولوجي إلى تحسين ملموس في حياة الناس. ومن خلال التعاون القائم على المساواة والمنفعة المتبادلة، تمتد فوائد هذه الإنجازات إلى شركاء أكثر حول العالم.