بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
منذ أن عرف الإنسان حاجاته، وهو يبدّل أدواته.
كانت حاجته إلى الانتقال ثابتة؛ فتنقل قديمًا على البغال والحمير والجمال، ثم جاءت السيارات والقطارات والطائرات. ولم تتغير الحاجة إلى الوصول، بل تحركت الوسيلة.
وكانت حاجته إلى الاتصال ثابتة؛ فكان الهاتف الثابت، ثم الجوال، ثم الإنترنت، ثم الاتصال الصوتي والمرئي عبر التطبيقات.
الحاجة ثابتة.. والوسيلة تتحرك.
وهذا هو القانون الذي يحكم التقنية والإعلام معًا.
كانت الصحيفة الورقية تنقل الخبر وتصنع الرأي وتحفظ الذاكرة، فجاءت الصحافة الإلكترونية فحَرَقَت سبقها الزمني، ثم جاءت وسائل التواصل فحَرَقَت الصحافة الإلكترونية في سرعة الانتشار، ثم جاء الإعلام الذكي، بما يحمله من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتخصيص.
لكن الإعلام الذكي نفسه ليس نهاية الطريق.
التقنية إبرةٌ تدفن جَرّتها.
فكل وسيلة جديدة قد تحرق سابقتها، لكن التقنية لا تحرق الحاجة.
تراجع الهاتف الثابت، وبقي الاتصال.
وتراجعت الصحيفة الورقية، وبقيت الحاجة إلى المعرفة.
وتغيرت وسائل النشر، وبقي الإنسان يبحث عن الخبر، والفهم، والتحليل، والثقة.
وهنا تكمن قاعدة البقاء.
فشركة الاتصالات لم تحاول إنقاذ الهاتف الثابت؛ بل أنقذت الحاجة التي كان يلبيها: الاتصال. فوسعت خدماتها وانتقلت إلى الجوال والإنترنت والبيانات والخدمات الرقمية.
وعلى المؤسسات الإعلامية أن تتعلم الدرس ذاته:
لا تنقذوا الورق؛ أنقذوا الصحافة.
ولا تنقذوا الموقع؛ أنقذوا المعلومة.
لا تستطيع الصحافة أن تنافس وسائل التواصل في سرعة نشر الخبر، لكنها تستطيع أن تقدم ما لا تمنحه السرعة وحدها: التحقق، والسياق، والتحليل، والعمق، والذاكرة.
فالخبر قد يصل سريعًا، لكن الصحافة الحقيقية تبدأ بعد وصوله:
ماذا حدث؟ ولماذا؟ وماذا يعني؟ وإلى أين يقود؟
وهنا تصبح الصحافة صانعةً للفهم، لا ناقلةً للخبر فقط.
أما مستقبل الكيان الإعلامي، فليس في بقائه ورقيًا، ولا في وجوده على كل منصة، بل في أن يكون متعدد الأدوات، واحد الهوية.
فالتقنية أداة، وليست هوية.
والمنصة وسيلة، وليست رسالة.
والهوية هي الذاكرة المعرفية: التاريخ، والمصداقية، والخط التحريري، والقيم، والقدرة على أن يعرف المتلقي من يقف خلف المحتوى، مهما تغيرت الوسيلة.
والكيان الإعلامي يشبه الشجرة:
جذورها هويته، وجذعها رسالته، وأغصانها تطويره، وأوراقها أدوات عصره، وثمارها محتواه، واستدامتها في تنوع مواردها.
فلا ينبغي أن يتشبث بأوراقه القديمة حتى يموت، ولا أن يقطع جذوره حتى يبدو حديثًا.
وبعض الصحف يضعف، وبعضها يمرض، وبعضها يخفت ضوؤه، وبعضها يموت ويدفن. أما الصحف القوية، ذات الجذور العميقة، فقد تمرض، لكنها تملك ما يمكن أن يعيد إليها عافيتها.
لذلك لا تقتل التقنية كل الصحف؛ إنها تكشف قدرة كل صحيفة على البقاء.
فالسؤال لم يعد:
هل ستنقرض الصحافة؟
بل:
أي صحافة ستبقى؟
الإجابة في معادلة واضحة:
هوية ثابتة، وتطوير مستمر، وتقنية مواكبة، ومحتوى موثوق، وموارد متنوعة.
فمن لا يتغير ينقرض.
ومن يتغير بلا هوية يذوب.
أما من يعرف جذوره، ويطور أدواته، ويفهم حاجة الإنسان، فإنه يستطيع أن يبدّل وسيلته ألف مرة ويبقى.
فالحاجة ثابتة.. والوسيلة تتحرك.
والصحافة لا تموت حين تتغير الوسيلة؛ تموت حين تتوقف عن فهم الإنسان.