الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ يوليو-٢٠٢٦       12980

بقلم -غازي العوني

توقفنا نسأل أنفسنا: متى تغيرنا؟  
متى تحولت ضمائر كانت تنبض بالحياة إلى شيء آخر يعبر الأيام دون أن يشعر؟  
ومتى أصبحت عقول كانت تسأل وتتعجب، عقول تكتفي بالمعتاد؟  
_ومتى أصبحت قلوبنا مجرد أيقونة... تعزف على نفس اللحن وتردد؟_

الإنسان لا يتغير في يوم.  
التغيير يتسلل بهدوء، _كما تتسلل قطرات الماء على الصخر_.  
يبدأ باعتياد صغير: "هكذا هي الحياة".  
ثم بكلمة نكررها حتى نصدقها: "لا فائدة".  
وبموقف نراه مرة فنتقبله، ومرتين فنتعايش معه، حتى يصبح جزءاً منا.

_وهكذا تموت الإنسانية فينا بالتدريج_  
تموت بالتكرار.  
نرى طفلة على قارعة الطريق، في عالم غارق بالدماء، تسأل المارة: "لماذا؟"  
فيمضي الأول مستعجلاً، والثاني يقول "معتاد"، والثالث يخفض عينيه.  
كل مرة نرى فيها ألماً ولا نتألم، يضغط التكرار على القلب قليلاً.  
ومع كل ضغطة، يخف السؤال، ويقل التعجب، وتهدأ الرحمة.  
ثم يأتي التبرير: "الكل يفعل ذلك" ، "ليس بيدنا شيء"  
فيهدأ القلب، ويستريح العقل... وتتحول الإنسانية من إحساس نعيشه، إلى كلمة نقولها.

القلوب لا تقسو فجأة.  
هي فقط تتعب من السؤال، فتختار الراحة.  
تعب من الفرق بين ما تتمنى وما ترى، فتغلق الباب.  
ومع الوقت، يقل اندهاشها، وتعتاد أن تمر على الوجع مرور العابرين.

والعقول لا تنطفئ. هي فقط تكتفي.  
تكتفي بما تعرفه، وتكف عن البحث.  
تختار الطريق الأسهل: طريق "الجميع يفعل ذلك".  
فتتحول _من عقل يفكر، إلى عقل يبرر._

لكن فينا ما ليس في الحجر: الإنسانية.  
والعودة لا تحتاج إلى قفزة. تحتاج إلى لحظة.  
لحظة نتوقف فيها ونسأل: أهذا يليق بنا؟ أهذا يليق بكوننا بشر؟  
لحظة نسمح فيها لقلوبنا أن تتعجب من جديد.  
ولأرواحنا أن تشعر من جديد.

طباع الإنسان ليست قدراً مغلقاً.  
هي أرض نزرعها كل يوم.  
فإما أن نتركها للعادة فتقسو،  
وإما أن نسقيها بالرحمة فتلين.

_خاتمة_  
لا تخشَ على قلبك إن تعب.  
ولا على إنسانيتك إن سكتت.  
فالشمس تغيب لتعود،  
والإنسان يتوه ليجد طريقه...  
يكفي أن يتذكر أنه ما زال إنساناً.