الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ يوليو-٢٠٢٦       2695

بقلم ـ أحمد الزيادي

في مساءٍ تعطّرت أنسامه بزخات المطر على مدينة أبها، وبين جمال الطبيعة وسكينة الجبال، وجدت نفسي أتأمل رحلة لم تكن عادية؛ رحلة بدأت بالبحث عن معنى أعمق للعلاج، وانتهت بقناعة راسخة بأن الفن ليس مجرد مساحة للإبداع، بل لغة إنسانية قادرة على ملامسة أعماق النفس.

أود أن أشارككم هذه التجربة، لأنها لم تكن مجرد محطة تعليمية، بل تجربة إنسانية غيّرت كثيرًا من مفاهيمي حول الصحة النفسية، وكيف يمكن للّون والخط والشكل أن تصبح أدوات للتعبير، وربما للشفاء أيضًا.

منذ سنوات، كنت أقرأ في كتب علم النفس، وأتابع آراء الباحثين والفلاسفة والمتخصصين في الصحة النفسية، بحثًا عن الأساليب التي تساعد الإنسان على تجاوز آلامه وصراعاته الداخلية. وخلال تلك الرحلة، كان  العلاج بالفن  يتكرر أمامي بوصفه أحد الأساليب التي تمنح الإنسان فرصة للتعبير عن مشاعره دون الحاجة إلى الكلمات، فتتجاوز اللوحة أحيانًا ما تعجز اللغة عن وصفه.

وقد تعمّق هذا الاهتمام بعد اطلاعي على كتاب «العلاج بالفن التشكيلي» للدكتور عوض اليامي، الذي قدّم طرحًا علميًا يشرح مفهوم العلاج بالفن، وأبعاده النفسية، وآليات توظيفه في الممارسة العلاجية. كما أسهمت لقاءاتي العلمية مع الدكتور عوض في ترسيخ هذه القناعة، إذ لمست عن قرب شغفه بهذا التخصص وجهوده في نشره وتطويره داخل المملكة العربية السعودية، من خلال التدريب والتأهيل والممارسة المهنية.

لقد أوضح الكتاب أن  العلاج بالفن  ليس نشاطًا ترفيهيًا، بل ممارسة مهنية تستند إلى أسس علمية، وتُستخدم بوصفها وسيلة علاجية مساندة تساعد الأفراد على التعبير عن مشاعرهم، وتجاوز كثير من الحواجز النفسية، بما يسهم في دعم الصحة النفسية إلى جانب الأساليب العلاجية الأخرى. وكانت هذه الرؤية من أبرز الأسباب التي دفعتني إلى مواصلة رحلتي في هذا المجال.

ومع تعمقي في الدراسة والتدريب، ازددت يقينًا بأن الفن يتجاوز حدود الجمال، ليصبح لغةً للنفس، ورسالةً إنسانية، وجسرًا يصل إلى أعماق الإنسان عندما تعجز الكلمات عن التعبير.

واليوم، وبعد رحلة طويلة من التعلم والتدريب، أعتز بانضمامي إلى هذا المجال، وبأن أكون جزءًا من رسالة تسعى إلى تعزيز جودة الحياة، والإسهام في نشر الوعي بالصحة النفسية من خلال الفن والإبداع. وما تحقق لم يكن ليرى النور لولا فضل الله، ثم الدعم الذي وجدته من معلمي وزملائي، وكل من آمن بأن للفن دورًا يتجاوز اللوحة ليصل إلى الإنسان.

كل الشكر والتقدير للدكتور عوض اليامي، ولمركز «قويم»، ولكل من أسهم في هذه الرحلة العلمية والمهنية، ولكل معلم وزميل شاركني شغف التعلم، فكانت رحلةً ثريةً بالعلم، وعميقةً بالأثر.

وأخيرًا، أحمد الله على نعمة هذا الوطن وقيادته الرشيدة، وما توليه من اهتمام متزايد بالصحة النفسية وجودة الحياة، إيمانًا بأن بناء الإنسان يبدأ بالاهتمام بصحته النفسية والعقلية إلى جانب صحته الجسدية.

لقد أدركت أن الفن ليس رفاهية، بل نافذة يطل منها الإنسان على ذاته، وجسر يصل به إلى ما تعجز الكلمات عن قوله. وحين يصبح الفن رسالة، فإنه يمتلك القدرة على أن يخفف الألم، ويبعث الأمل، ويعيد للنفس شيئًا من اتزانها وسلامها.