بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
منذ أن تحولت البحار من حدودٍ تفصل بين الأمم إلى جسورٍ تصل بينها، لم تعد الممرات البحرية مجرد ظاهرة جغرافية، بل أصبحت قضية قانونية وسياسية وحضارية. فالموقع تصنعه الطبيعة، أما طريقة إدارته فتصنعها الأمم. وبين هذين البعدين نشأ سؤالٌ ظل يرافق التاريخ: هل تحكم الممرات البحرية قوة الجغرافيا، أم سلطان القانون؟
لقد منحت الجغرافيا بعض الدول موقعًا استثنائيًا، فجعلتها تشرف على مضائق وبحار تمثل شرايين للتجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذه ميزة لم تصنعها إرادة البشر، بل فرضتها الطبيعة. غير أن الحضارة الإنسانية أدركت مبكرًا أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته ؛ لا يمنح صاحبه حق احتكار العالم، ولا سلطة تعطيل مصالحه.
ومن هنا ؛ لم يعد البحر في الفكر القانوني الحديث ملكًا لمن يجاوره فحسب، بل أصبح فضاءً تتقاطع فيه حقوق الدول مع حقوق الإنسانية. فالممرات البحرية التي تربط بين البحار والمحيطات ليست مجرد امتداد لسيادة الدول المشاطئة، بل هي شرايين للمجتمع الدولي بأسره. ولذلك لم يعد المرور فيها منحةً تمنحها دولة، ولا امتيازًا يجوز سحبه بإرادة منفردة، وإنما حقٌ قانوني استقر عليه الضمير الدولي قبل أن تُقره الاتفاقيات الدولية.
ولذلك ؛ فإن النفط الذي يعبر تلك الممرات، والغذاء الذي تنقله السفن، والسلع التي تحملها إلى القارات ؛ لا تخص دولة بعينها، بل تمس حياة مليارات البشر. ولهذا السبب لم يعد أمن الممرات البحرية شأنًا إقليميًا، بل مصلحةً عالميةً مشتركة.
لقد جاء القانون الدولي ليضع حدًا فاصلًا بين السيادة والوصاية؛ فأقر للدول المشاطئة بحقوقها السيادية، لكنه لم يمنحها سلطة احتجاز حركة العالم أو تحويل الجغرافيا إلى وسيلة ابتزاز. فالسيادة في مفهومها القانوني ليست حقًا مطلقًا، وإنما مسؤولية تُمارس في إطار احترام حقوق الآخرين، لأن الدولة قد تملك شاطئ المضيق، لكنها لا تملك حق احتجاز العالم خلفه.
قال أرسطو: "القانون هو العقل منزَّهًا عن الهوى".ولعل هذه العبارة تختصر فلسفة النظام الدولي بأسره؛ فالقانون لا يُكتب في أوقات الهدوء، بل ليكون المرجعية عندما تتصادم المصالح، وتتقاطع الجغرافيا مع السياسة.
ومن الخطأ أن يُنظر إلى القانون بوصفه قوةً ضعيفة في مواجهة قوة الجغرافيا؛ فالجغرافيا قوة أوجدتها الطبيعة، أما القانون فقوة صنعتها الحضارة. الأولى تفرض الواقع، والثاني ينظم هذا الواقع. الأولى تمنح الموقع، والثاني يمنح شرعية استخدامه. ولو تُرك العالم لقوة الجغرافيا وحدها ؛ لعادت العلاقات الدولية إلى زمنٍ كانت فيه الممرات البحرية رهينةً للأقوى، لا محكومةً بقواعد العدالة.
وقد لخّص الفقيه الهولندي هوغو غروتيوس، الأب المؤسس للقانون الدولي، هذه الفلسفة عندما دافع عن مبدأ حرية البحار، مؤكدًا أن البحر فضاءٌ للتواصل الإنساني، لا مجالٌ للاحتكار. كما عبّر عن ذلك بقوله: "القوة لا تُنشئ حقًا، وإنما تحمي حقًا قائمًا".
وفي هذه الكلمات يتجلى الفرق بين دولةٍ توظف قوتها لحماية النظام الدولي، ودولةٍ تتوهم أن موقعها الجغرافي يمنحها حق إعادة تفسير القانون وفق مصالحها.
لقد أثبت التاريخ أن التجارة العالمية لا تتوقف، بل تغيّر مساراتها. فكلما تحولت الممرات البحرية إلى أدوات ضغط ؛ سارع العالم إلى البحث عن بدائل، وإعادة رسم خرائط التجارة، وإنشاء موانئ جديدة، وتطوير طرق نقل أخرى. وهكذا تتحول الجغرافيا، التي كانت مصدرًا للقوة، إلى دافعٍ لتجاوزها، لأن العالم لا يقبل أن تبقى مصالحه رهينةً لأزمة دائمة.
ولم يكن أعظم إنجاز حققته الإنسانية أنها اكتشفت البحار، بل أنها أخضعت البحار لسلطان القانون. فالحضارات لم تزدهر لأنها امتلكت الموانئ، وإنما لأنها جعلت منها أبوابًا للتبادل، لا متاريس للصراع. وكما قال مونتسكيو: "التجارة تُهذّب أخلاق الأمم".
وما كان لها أن تؤدي هذا الدور لولا أن طرقها أصبحت محميةً بقواعد يتفق عليها الجميع.
إن السؤال الحقيقي ليس: من يملك المضيق؟ فهذا سؤال تجيب عنه الخرائط. وإنما السؤال الأهم: كيف يُدار هذا المضيق؟ وهذا سؤال لا تجيب عنه الجغرافيا، بل يجيب عنه القانون، والحكمة، والإحساس بالمسؤولية تجاه العالم.
ولذلك ؛ فإن مستقبل الممرات البحرية لن تحدده قوة الجغرافيا وحدها، ولا نصوص القانون وحدها، بل العلاقة المتوازنة بينهما؛ حيث تمنح الجغرافيا الموقع، ويمنح القانون الشرعية، وتحمي القوةُ الشرعيةَ دون أن تحل محلها.
ويبقى الدرس الذي تؤكده الحضارات جميعًا: أن الجغرافيا قد تصنع النفوذ، لكن سلطان القانون هو الذي يصنع الاحترام. فالدول لا تُخلَّد لأنها امتلكت المضائق، وإنما لأنها أدارتها باعتبارها أمانةً في عنق الإنسانية، لا ورقةً في سوق الصراعات.
الجغرافيا تمنح الموقع… أما القانون فيمنحه الشرعية.
والممرات البحرية لا تحرسها الخرائط وحدها، بل تحرسها إرادة الأمم في أن يبقى البحر طريقًا للعالم، لا سلاحًا في وجهه.