الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ يوليو-٢٠٢٦       11825

بقلم -د. شادي الكفارنه 
في غزة لا نعيش عدواناً يستهدف أجسادنا وأرضنا ومنازلنا فقط، بل نعيش عدواناً يمتد إلى وعينا وذاكرتنا وهويتنا وإدراكنا لأنفسنا وللعالم من حولنا،  فما نتعرض له لا يقتصر على التدمير المادي والخسائر البشرية، بل يتجاوز ذلك إلى عملية مستمرة لإعادة تشكيل وعينا الجمعي وطريقة فهمنا لواقعنا ومستقبلنا، ولهذا فإننا نواجه ما يمكن وصفه بعملية "هندسة للعقول" تستهدف إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني من الداخل بعد استنزافه من الخارج، إننا في غزة لا نتعرض فقط للقصف والتجويع والحصار والنزوح، بل نتعرض أيضًا لتجربة طويلة من الاستنزاف النفسي والاجتماعي تدفعنا تدريجيا إلى التكيف مع أوضاع لم تكن يوما طبيعية أو مقبولة، فمع مرور الوقت نجد أنفسنا نعتاد ما كان يبدو مستحيلا؛ نعتاد العيش في الخيام، ونتعامل مع النزوح المتكرر بوصفه جزء من حياتنا اليومية، وننشغل بتأمين احتياجاتنا الأساسية بعدما كانت طموحاتنا تتجه نحو التعليم والتنمية وبناء المستقبل.
في ظل هذه الظروف أصبح بقاؤنا اليومي هو أولويتنا الأولى، وكادت المساحات التي نملكها للتفكير والتخطيط والحلم أن تتلاشى، وهنا تعمل هندسة العقول بأكثر صورها خطورة؛ إذ لا تفرض علينا الأفكار بالقوة المباشرة، بل يعاد تشكيل البيئة التي تنتج أفكارنا وتحدد أولوياتنا، فكلما ازداد إنهاكنا وخوفنا وحرماننا، أصبحنا أكثر انشغالا بالبقاء وأقل قدرة على التفكير بما هو أبعد من اللحظة الراهنة، وإن الأمر لا يتوقف عند ذلك، فعندما تدمَّر أحياؤنا ، ويقتلع الناس من أماكنهم بصورة متكررة، لا نفقد بيوتنا فقط، بل نفقد شيئا من إحساسنا بالاستقرار والانتماء والاستمرارية، وعندما تستهدف مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا الاجتماعية والدينية، فإن ما يتعرض للخطر ليس الحجر وحده، بل منظومة القيم والمعاني التي تشكل وعينا الجماعي وتحافظ على هويتنا عبر الأجيال.
كما نجد أنفسنا أمام آثار بشرية عميقة للعدوان تتمثل في أعداد كبيرة من الجرحى وذوي الإعاقات الدائمة الذين سيحملون آثار هذا العدوان الغاشم لسنوات طويلة، وهذه ليست قضية فردية تخص المصابين وحدهم، بل قضية تمس مجتمعنا كله، لأننا سنواجه معا التحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تفرضها هذه التحولات، وفي الوقت نفسه يترك التجويع وسوء التغذية والحرمان الصحي آثارا تتجاوز الجسد لتطال القدرات المعرفية والنفسية لأجيال كاملة من أطفالنا وشبابنا.
ومع استمرار هذا الواقع القاسي، نلاحظ كيف تتعرض منظومتنا الاجتماعية والأخلاقية للاستنزاف، فالفقر والخوف والندرة والقلق المستمر تضع قيمنا الجماعية تحت ضغط هائل، وقد نجد بعض مظاهر التكافل والتضامن تتراجع أمام قسوة الحاجة ومتطلبات البقاء، وهنا لا يكون الخطر في معاناة الأفراد فقط، بل في احتمال تآكل الروابط التي حافظت تاريخيا على تماسك مجتمعنا وقدرته على الصمود، ونحن ندرك كذلك أن الصراع لا يدور على الأرض وحدها، بل يدور أيضا على الذاكرة والرواية والهوية، لذلك إن محاولات تشويه الحقائق أو إعادة تفسير الأحداث أو طمس الرواية الفلسطينية ليست معركة إعلامية فحسب، بل هي جزء من معركة الوعي نفسها، فحين تستهدف ذاكرتنا الجماعية، يستهدف فهمنا لأنفسنا ولماضينا وحقوقنا ومستقبلنا.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط حجم الدمار الذي أصابنا، بل احتمال أن نعتاد هذا الدمار وأن نتعامل معه بوصفه واقعا دائما لا يمكن تغييره، فهندسة العقول تبلغ ذروتها عندما نبدأ نحن أنفسنا بخفض سقف أحلامنا وحقوقنا وتوقعاتنا، وعندما يتحول ما كان استثناء مؤقتا إلى قاعدة مستقرة في وعينا ، ولهذا تبقى معركتنا الحقيقية معركة وعي بقدر ما هي معركة بقاء، فكلما حافظنا على ذاكرتنا الجماعية، وتمسكنا بروايتنا، وصنّا قيمنا الاجتماعية والإنسانية، وأدركنا الفرق بين التكيف الضروري للبقاء وبين الاستسلام للأمر الواقع، حافظنا على قدرتنا على مقاومة محاولات إعادة تشكيل وعينا وفق ما يراد لنا، فالمعركة ليست فقط على حياتنا، بل على حقنا في أن نبقى كما نحن، وأن نفكر كما نريد، وأن نصنع مستقبلنا بإرادتنا الحرة.