بقلم- غازي العوني
القلب في كل التعاليم الربانية ليس مجرد عضو في الجسد، بل هو مركز القيادة والقرار. هو الذي ينوي ويختار ويوجه الجوارح، ولهذا جاءت الوصايا الأولى تدعو إلى تطهيره قبل أي شيء آخر. فالله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أموالنا، وإنما ينظر إلى قلوبنا، ومنها تبدأ قيمة العمل وقبوله. والعمل الذي يخلو من قلب سليم يتحول سريعاً إلى عادة جوفاء أو رياء يبحث عن مدح الناس.
والسبب الثاني لهذه الدعوة أن السوء لا يبدأ كبيراً، بل يبدأ صغيراً ويتراكم. الكلمة التي نطلقها بلا مبالاة اليوم تصبح غيبة غداً، والنظرة التي نتجاهلها تصبح حسداً، والمقارنة البسيطة تصبح كبراً. وإذا تركنا هذه الرواسب تتجمع في القلب طبقة فوق طبقة فسيفقد حسه، ولن يعود يرى قبحها. وحينها يتحول الظلم إلى وجهة نظر، والكذب إلى مهارة، والقطيعة إلى راحة. لذلك جاء الأمر بالتطهير المستمر كصيانة وقائية، لا ننتظر بها حتى يمرض القلب كله ثم نبحث عن علاج.
والأخطر من التراكم أن القلب الملوث لا يبقى ساكناً، بل يقود صاحبه. فالحقد يزين لك أن فلاناً يستحق الأذى، والطمع يهمس لك بأن تأخذ ما ليس لك ما دام أحد لا يراك، والرياء يقنعك أن الناس يجب أن تشهد عملك. وبهذا تنتقل من أن تكون سيد أفعالك إلى أن تصبح عبداً لشهواتك وأحقادك، وتجد نفسك تفعل ما لم تكن تنويه في البداية.
أما القلب الذي اعتاد التطهير فهو قلب خفيف وحُر. لا يحمل غلاً فينام قرير العين، ولا يقارن نفسه بغيره فيرضى بما قسم له، ولا يخاف الفضيحة لأنه لا يفعل ما يُخفى. ولهذا ختمت الرسالات السماوية بالتذكير بأن يوم القيامة "لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم". فالمسألة ليست كمالاً ملائكياً، بل هي حفاظ على نقاء المحرك الداخلي حتى لا يصدأ.
وطريق هذا التطهير واضح في الوصايا نفسها: استغفار يمسح ما تراكم، وذكر يحي ما مات من الإحساس، ومسامحة تفرغ القلب من الحقد، ومحاسبة يومية تمنع أن يكبر السوء قبل أن نلحقه. فتطهير القلوب ليس ترفاً روحياً، بل هو ضرورة عملية حتى لا يتراكم السوء فينا، وحتى لا نترك لشيء صغير أن يكبر ويقودنا إلى ما لا نريد.