بقلم- د. طارق بن حزام
كم من إنسانٍ ظن أن الحياة قد ضاقت به حين أُغلق في وجهه باب، ثم أدرك بعد زمن أن الله لم يمنعه إلا ليحفظه، ولم يؤخر عنه ما أراد إلا ليهيئ له ما هو خير منه. فليست الأقدار كما تبدو لأول وهلة، ولا تُقاس حكمتها بما نشعر به في لحظة وقوعها.
ومن طبيعة الإنسان أنه يحكم على الأحداث من ظاهرها، فيفرح بالعاجل، ويحزن على الفائت، ويظن أن الخير فيما أحب، وأن الشر فيما كره. غير أن علمه محدود بما يراه، أما الله سبحانه فيعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويجري أقداره بعلمٍ محيط، ورحمةٍ واسعة، وحكمةٍ بالغة.
ولهذا يقف الإنسان أحيانًا حائرًا أمام بعض ما يقدّره الله عليه؛ يتساءل عن سرِّ الفقد، وحكمة المنع، وسبب تأخر الفرج، لأنه ينظر إلى بداية الطريق، بينما يعلم الله نهايته، ويرى من العواقب ما لا تبلغه أبصار البشر.
ومن أبلغ ما يصور هذه الحقيقة قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف. فقد بدا خرق السفينة ظلمًا، فإذا هو سبب نجاتها من ملكٍ يغتصب السفن الصالحة. وبدا قتل الغلام مصيبةً تهز القلوب، ثم انكشف أنه رحمةٌ بأبوين مؤمنين، أراد الله أن يبدلهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمة. كانت الأفعال واحدة، لكن الحقيقة التي وراءها لم تظهر إلا حين اكتمل المشهد.
وهكذا شأن كثير من أقدار الله؛ فما نراه اليوم خسارةً قد يكون غدًا أعظم المكاسب، وما نعدّه حرمانًا قد يكون عين العطاء، وما نظنه تأخرًا قد يكون لطفًا إلهيًا أنقذنا من استعجالٍ كانت عواقبه أشد. فكم من وظيفة لم تُكتب فكانت النجاة، وكم من صفقةٍ لم تتم فكان فيها السلامة، وكم من أمنيةٍ تأخرت حتى جاءت في الوقت الذي اختاره الله، فإذا هي خيرٌ مما تمنى الإنسان لنفسه.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. إنها ليست دعوةً إلى إلغاء مشاعر الإنسان، وإنما إلى تهذيب نظرته إلى القدر؛ فبين الألم والحكمة مسافةٌ لا يقطعها إلا الإيمان.
ولا يعني اليقين أن القلب لا يحزن، أو أن العين لا تدمع، فالحزن من فطرة البشر، وإنما يعني ألا يتحول الألم إلى اعتراض، ولا الابتلاء إلى سوء ظن بالله. فالمؤمن يعلم أن وراء كل قضاءٍ حكمة، وأن لطف الله قد يأتي في صورةٍ لا تشبه ما اعتاده الناس من صور اللطف.
إن أخطر ما يفعله الإنسان أن يحاكم أقدار الله قبل أن تكتمل فصولها؛ فكم من قصةٍ بدأها الناس بالبكاء، وختمها الله بالفرج، وكم من أمرٍ تمنوه بإلحاح، ثم حمدوا الله بعد ذلك أن صرفه عنهم. إننا نقرأ الصفحة الأولى من الحدث، بينما يعلم الله خاتمة الكتاب.
وما أحوج الإنسان، في لحظات الضيق، إلى أن يتذكر أن الله لا يدبر أمره بعلمه هو، بل بعلم الله، ولا برحمته لنفسه، بل برحمة ربه التي وسعت كل شيء. فإذا غابت عنه الحكمة، لم يغب عنه اليقين، وإذا خفي عليه السبب، لم يخف عليه أن الله أرحم به من نفسه.
فما خفي عنك من حكمة الله أكثر مما ظهر لك، وما استتر عن بصيرتك اليوم قد تكشفه لك الأيام غدًا. فإذا ضاقت بك السبل، فلا تستعجل الحكم على قضاء الله؛ فلعل الرحمة التي تنتظرها لا تأتيك إلا… في ثوب الألم