بقلم-غازي العوني
ما من نشوة تضاهي تلك اللحظة التي تدرك فيها أنك كنت جسراً بين حاجةٍ وأمل. لحظة إنجاز العمل الإنساني ليست مجرد فعلٍ يُسجّل في سجل الأيام، بل هي وقفةٌ قصيرة أمام مرآة الروح، ترى فيها نفسك على حقيقتها، بلا ألقاب ولا رصيد.
في خضمّ سعينا المحموم وراء ما نملك، ننسى أن أغنى ما نملك هو ما نمنحه. المال يذهب، والألقاب تزول، والتصفيق يخفت، أما أثر يدٍ امتدّت في وقت العسر، وكلمةٍ قيلت فكانت دواءً، فإنه يبقى يحرس صاحبه في ليالي الوحشة.
العمل الإنساني يعرّيك من كل زيف. يُسقط عنك ضجيج العالم ويعيدك إلى المعنى الأول للوجود: أن نكون لبعضٍ *ملاذاً حين تضيق الدروب*. وحين ترى الارتياح ينساب في ملامح من مددت له يدك، تدرك أن السعادة لم تكن يوماً في الأخذ، بل في ذلك السرّ القديم: أن تعطي فتغتني.
إنه شعورٌ لا يُشرح، بل يُعاش. شعورٌ يقول لك بصوتٍ هادئ: كنتَ هنا، وتركتَ خيراً. وما أجمل أن يمضي الإنسان من الدنيا، وقد خلّف وراءه ظلّاً يستريح تحته عابر سبيل.