النهار

٢٥ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يونيو-٢٠٢٦       2585

بقلم- علي بن عيضة المالكي

تُعد الحدائق والمرافق العامة من أبرز المكونات التي تعكس مستوى التحضر وجودة الحياة في المدن الحديثة، فهي مساحات تتجاوز مفهوم الترفيه إلى أدوار اجتماعية وثقافية وبيئية تسهم في تعزيز رفاه الإنسان وارتباطه بمحيطه. كما تمثل هذه المرافق واجهة حضارية تعكس اهتمام المجتمع بالبيئة والجمال والتنظيم، وتمنح السكان والزوار صورة إيجابية عن المكان ومستوى العناية به.
كما تؤدي الحدائق العامة دورًا مهمًا في توفير بيئات مناسبة للعائلات والأطفال وكبار السن لممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية، كما تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وإيجاد مساحات إنسانية تتيح للأفراد فرصة اللقاء والتواصل بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية. وإلى جانب ذلك، تسهم المساحات الخضراء في تحسين جودة الهواء وتلطيف الأجواء وإضفاء بعد جمالي ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية وجودة الحياة.
ويُعد الوجه الجمالي للمدن أحد المؤشرات المهمة على مستوى التنمية، حيث لا يقتصر الاهتمام على المباني والطرق، وإنما يمتد إلى نظافة الشوارع، وجودة الأرصفة، والعناية بالأشجار، وتناسق العناصر الجمالية، وتوفير المرافق التي تجعل المدينة أكثر حيوية وجاذبية. فالتفاصيل الصغيرة غالبًا ما تصنع الفارق الكبير في تشكيل الانطباع العام عن المكان.
ومن خلال زيارات ميدانية لعدد من الحدائق والمرافق العامة في أكثر من محافظة، برزت مجموعة من الملاحظات التي تستحق الوقوف عندها. فقد لوحظ أن بعض مظاهر الإهمال لا تعود إلى جهة واحدة، وإنما تتوزع بين سلوكيات بعض المرتادين ومستوى الخدمات المقدمة من الجهات المشرفة على تلك المرافق. فمشاهد ترك المخلفات في غير أماكنها، والعبث بالممتلكات العامة، وعدم المحافظة على النظافة، ما زالت حاضرة في بعض المواقع، وهو ما يؤثر في جودة التجربة التي يتطلع إليها الزائر ويحد من الاستفادة المثلى من هذه المرافق.
وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى الارتقاء بمستوى الخدمات في بعض الحدائق والمرافق العامة، من خلال تعزيز أعمال الصيانة الدورية، والعناية بدورات المياه، وتوفير المظلات ومقاعد الجلوس، وتحسين الإنارة والتشجير، ومعالجة الأعطال بصورة أكثر سرعة وكفاءة. ويتطلع المواطن إلى مرافق متكاملة تواكب حجم الاستثمارات الموجهة لمشروعات جودة الحياة، وتوفر بيئة جاذبة وآمنة لجميع أفراد الأسرة.
ويقوم نجاح المرافق العامة على شراكة متوازنة بين الجهات المشرفة والمرتادين؛ فكلما ارتفعت جودة الخدمات وتعزز الشعور بالمسؤولية المجتمعية، انعكس ذلك على جمال المكان واستدامته. وتمثل هذه المرافق أحد الأصول الحضارية للمجتمع، فيما تعكس المحافظة عليها مستوى الوعي والانتماء واحترام الممتلكات العامة.
كما أن تطوير الصورة الحضرية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز المعالجات المؤقتة، لتشمل التوسع في التشجير، وتحسين الهوية البصرية للمدن، وتطوير الممرات والساحات العامة، واستثمار المساحات المفتوحة بصورة أكثر فاعلية، بما يحقق التوازن بين الجمال والوظيفة ويعزز من جاذبية المدن وقدرتها على استقطاب الزوار.
وتُظهر التجارب العالمية أن المدن الأكثر نجاحًا هي تلك التي استطاعت تحويل مرافقها العامة إلى جزء من ثقافة المجتمع وسلوكه اليومي، حيث يشعر الفرد بمسؤوليته تجاه المكان كما يشعر بحقه في الاستفادة منه. وعندما تتحول المحافظة على الممتلكات العامة إلى قيمة راسخة، تصبح أعمال الصيانة والتطوير أكثر استدامة وأقل تكلفة وأكثر أثرًا.
وتبقى العناية بالحدائق والمرافق العامة مسؤولية مشتركة تبدأ من التخطيط الجيد، وتمر بجودة التنفيذ، وتكتمل بسلوك حضاري يحافظ على المكتسبات التنموية. وعندما يلتقي الوعي المجتمعي بالخدمة عالية الجودة، تتحول هذه المرافق إلى فضاءات نابضة بالحياة والجمال، وتغدو واجهات حضارية تعكس رقي المجتمع، وتمنح الأجيال القادمة بيئة جميلة ونظيفة ومستدامة تستحق الفخر والمحافظة عليها.
أخر القول:
لم يتبقى الكثير على بدء الإجازة الصيفية، ومع اقترابها يتزايد إقبال الأسر على الحدائق والمتنزهات والمرافق العامة، تتجدد أهمية العناية بهذه المواقع التي تمثل متنفسًا للأفراد والعائلات، وتسهم في تعزيز جودة الحياة وإثراء تجربة الترفيه والاستجمام داخل المدن.