النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
في أزمنة الأزمات يكثر البحث عن الرجل المنقذ، وتتعلق الآمال بالأسماء، وتدور المجالس حول الأشخاص، حتى يخيل للناس أن مصائر الأوطان معلقة بأفرادٍ بعينهم. لكن التاريخ، ذلك المعلم الذي لا يكذب، يهمس في آذان الأمم بحقيقةٍ مختلفة: الأوطان التي تُبنى حول الرجال تضعف برحيلهم، أما الأوطان التي تبني الرجال حولها فتبقى قويةً وإن تعاقبت عليها الأجيال.
وقد قيل: “الدولة تبقى مع العدل وإن كانت كافرة، ولا تبقى مع الظلم وإن كانت مسلمة". وهي حكمة تختصر سر بقاء الأمم وسقوطها؛ فالدول لا يحفظها تعظيم الأشخاص بقدر ما يحفظها العدل، ولا تصونها الشعارات بقدر ما تصونها المؤسسات.
واليمن، ذلك البلد الذي حمل عبر القرون إرثاً حضارياً عريقاً ؛ لم يكن يوماً فقيراً في الرجال. فمن أرضه خرج الملوك والقادة والعلماء والتجار، وانتشرت سواعد أبنائه في الآفاق تبني وتعمر وتشارك في صناعة الحياة. ولم تكن معضلته في ندرة الكفاءات، ولا في ضعف الإنسان اليمني، بل في أن صراعاتٍ طويلة جعلت الولاءات تتوزع بين الأشخاص والجماعات والمشاريع، بينما تراجعت فكرة الدولة الجامعة إلى الصفوف الخلفية.
وحين يعلو اسم الرجل على اسم الوطن ؛ تبدأ الأزمة.
فالرجل مهما بلغ من المكانة يظل بشراً محدود العمر والتأثير، أما الوطن فهو المعنى الباقي الذي تتوارثه الأجيال. ولهذا كانت الأمم الراشدة تحرص على أن يكون الانتماء للدولة قبل الأشخاص، وللقانون قبل الولاءات، وللمؤسسات قبل الأفراد.
ولعل واحدةً من أعظم آفات المجتمعات المضطربة ؛ أنها تستبدل الدولة بالرمز، والمؤسسة بالزعيم، والنظام بالعاطفة. وحين يحدث ذلك ؛ تتحول السياسة إلى دائرةٍ مغلقة تدور حول الأشخاص لا حول المبادئ، وتصبح المواقف مرتبطة بمن قال لا بما قيل، وبمن يقود لا إلى أين يقود.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدول لا تنهار عندما يقل الرجال، وإنما عندما تضعف المؤسسات. فكم من أمة فقدت قادتها ثم واصلت مسيرتها ؛ لأنها كانت تملك نظاماً يحفظ توازنها، وكم من أمة امتلكت رجالاً استثنائيين لكنها تعثرت ؛ لأنها ربطت مصيرها بأشخاص لا بمؤسسات.
ويقول مونتسكيو: “لكي لا يُساء استعمال السلطة ؛ يجب أن توقف السلطةُ السلطةَ". وهي قاعدة لم تُبنَ عليها الدول الحديثة عبثاً، بل لأنها أدركت أن قوة الدولة ليست في إطلاق يد أحد، وإنما في توازن المؤسسات وتكاملها.
واليمن اليوم ؛ لا يحتاج إلى مزيدٍ من الاصطفافات بقدر حاجته إلى إعادة ترتيب الأولويات. يحتاج إلى أن ينتقل من منطق الجماعة إلى منطق الدولة، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للوطن.
إن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه اليمن لمستقبله ليس في صناعة الزعامات، بل في صناعة المواطن. وليس في توسيع دوائر النفوذ، بل في توسيع دوائر التعليم والتنمية والإنتاج. فالأمم لا تُقاس بعدد البنادق التي تحملها، بل بعدد العقول التي تبنيها، ولا بعدد من يتبعون قائداً، بل بعدد من يخدمون وطناً.
وليست معركة اليمن الحقيقية بين شمالٍ وجنوب، ولا بين حزبٍ وآخر، ولا بين قبيلةٍ وأخرى، بل بين فكرتين:
فكرةٍ ترى أن الدولة هي الأصل وما سواها فروع.
وفكرةٍ ترى أن الجماعات هي الأصل، وأن الدولة مجرد ساحةٍ لتقاسم النفوذ.
وبين الفكرتين يتحدد شكل المستقبل.
فإذا انتصرت الدولة ؛ انتصر الجميع.
وإذا انتصرت الجماعات ؛ خسر الجميع وإنْ ظنّ بعضهم أنه انتصر.
وقد قيل: “إذا كانت الرجال تُعرف بالدول ؛ فإن الدول لا ينبغي أن تُعرف بالرجال".
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل اليمنيين اليوم ليس: من يحكم اليمن؟
بل: كيف يُبنى يمنٌ لا يتوقف على حاكم؟
كيف تُقام دولةٌ تستمر بقوة مؤسساتها لا بقوة رجالها؟
وحين يدرك اليمنيون هذه الحقيقة ؛ سيكتشفون أن طريق النهضة لم يكن بعيداً عنهم ، لقد كان يبدأ من فكرةٍ واحدة:
دي أن يُبنى الرجال حول الوطن، لا أن يُبنى الوطن حول الرجال.