النهار

٢١ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ يونيو-٢٠٢٦       6050

بقلم ـ علي بن عيضه المالكي

يُعتبر اليوم العالمي للأب الذي يوافق اليوم الحادي والعشرين من شهر يونيو من كل عام، مناسبة إنسانية تتجاوز حدود الاحتفاء والتقدير إلى مساحة أوسع من التأمل في الدور العميق الذي يؤديه الأب في حياة أسرته. فالأب ليس مجرد فرد يؤدي واجبات يومية، وإنما قيمة ممتدة في الزمن، وأثر متجدد يتشكل في نفوس الأبناء ويستمر معهم في مختلف مراحل حياتهم.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من جهود الآباء تبقى بعيدة عن الأضواء، إلا أن نتائجها تظهر بوضوح في استقرار الأسر، وتماسك العلاقات، ونضج الأبناء فكريًا وأخلاقيًا. فخلف كل بيت ينعم بالأمان أبٌ حمل مسؤولياته بصبر، وخلف كل ابن يمتلك الثقة والقدرة على مواجهة الحياة أبٌ ساهم في بناء شخصيته ورسم ملامح وعيه.

إن الدور الحقيقي للأب لا يُقاس بحجم ما يقدمه من إمكانات مادية فحسب، وإنما بما يغرسه من قيم، وما يصنعه من بيئة مستقرة تساعد الأبناء على النمو السليم. فالأب الواعي يدرك أن بناء الإنسان يسبق بناء الممتلكات، وأن صناعة العقول أعظم أثرًا من صناعة الثروات.

 وحين يكون الأب حاضرًا بفكره قبل حضوره الجسدي، يصبح مصدرًا للحكمة ومرجعًا للتوجيه. فهو الذي يعلّم أبناءه كيف يفكرون لا ماذا يفكرون، ويمنحهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحقيقة والوهم، وبين ما ينفعهم وما يضرهم. ومن خلال الحوار والتجربة والقدوة يساهم في تشكيل وعيهم، ويزرع فيهم حب التعلم وتحمل المسؤولية واحترام الآخرين.

كما يمثل الأب حجر الزاوية في استقرار الأسرة؛ فكلما اتسم بالحكمة والاتزان انعكس ذلك على أجواء المنزل بأكمله. فالأب الذي يدير الخلافات بعقل، ويتخذ قراراته بروية، ويمنح أسرته الشعور بالأمان، يرسخ في نفوس أبنائه الطمأنينة والثقة، ويهيئ لهم بيئة صحية للنمو النفسي والفكري.

ولعل أعظم ما يقدمه الأب لأبنائه هو أن يكون قدوة صادقة في السلوك والعمل والالتزام. فالأبناء لا يتعلمون من الكلمات بقدر ما يتعلمون من المواقف اليومية التي يشاهدونها. وعندما يرون في والدهم الصدق والأمانة والاجتهاد والرحمة، تتحول هذه القيم إلى جزء من شخصياتهم دون حاجة إلى كثير من التوجيه.

وفي اليوم العالمي للأب، نستحضر بكل تقدير أولئك الآباء الذين أفنوا أعمارهم في العطاء بصمت، وحملوا هموم أسرهم بمحبة وإخلاص، فكانوا مهندسي الاستقرار في بيوتهم، وصناع العقول في مجتمعاتهم. إن تكريم الأب لا يكون بكلمات الشكر وحدها، وإنما بالاعتراف بأثره العظيم، وبالحفاظ على القيم التي غرسها، وبمواصلة البناء على ما قدمه من تضحيات لأجل مستقبل أكثر إشراقًا لأبنائه وأسرته ووطنه.