النهار

١٨ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ يونيو-٢٠٢٦       3465

بقلم- علي بن عيضة المالكي

ثمة أمور يتعين علينا إخضاعها لعدسة النقد الفكري، على الأقل لنحيا حياة متوازنة تساعدنا على التقدم نحو التأقلم مع الأزمات والتعلم من الأخطاء بصورة أكثر هدوء ، وعلى نحو أشد انتباه، ومن ضمن تلك الأمور بناء الثقة الداخلية وتعزيز مكانها.
فالثقة الهادئة لا تعد صوتًا مرتفعًا، ولا حضورًا يفرض نفسه بالقوة، وإنما حالة من الاتزان الداخلي تجعل الشخص حاضرًا دون استعراض، ومؤثرًا دون تكلف. فالناس الأكثر جاذبية في الحياة غالبًا ليسوا أولئك الذين يتحدثون كثيرًا عن أنفسهم، وإنما الذين يشعرون بالراحة مع ذواتهم.
تبدأ الثقة الهادئة من معرفة النفس. عندما يدرك الإنسان نقاط قوته ونقاط احتياجه للتطوير، يتعامل مع الحياة بواقعية. لا يحتاج إلى المبالغة في إظهار إنجازاته، ولا ينهار أمام النقد أو الاختلاف. فهو يعلم أن قيمته لا تتغير بتصفيق الآخرين أو تجاهلهم.
ومن أسرار هذه الثقة أن تتحدث أقل مما تعرف، وأن تستمع أكثر مما تتكلم. فالإنصات يمنحك فهمًا أعمق للناس، ويمنحهم شعورًا بالاحترام. والناس ينجذبون عادةً إلى من يشعرون معهم بأنهم مسموعون ومقدّرون.
كما أن الوفاء بالوعود الصغيرة يبني  ثقة  كبيرة. عندما يعتاد الإنسان الالتزام بكلمته، واحترام وقته، وإتمام مسؤولياته، تتكون لديه قناعة داخلية بأنه شخص يعتمد عليه. وهذه القناعة تنعكس على سلوكه ونبرته وطريقة حضوره.
الثقة الهادئة أيضًا لا تدخل كل معركة. فهي تعرف أن بعض النقاشات لا تستحق الانتصار، وأن بعض الاستفزازات تفقد قيمتها عندما لا تجد استجابة. القدرة على التجاهل الحكيم علامة نضج أكثر من كونها علامة ضعف.
ومن أهم ما يزيد الجاذبية أن يكون الإنسان متصالحًا مع نقصه وعليه يقع الحمل الأكبر في معرفة أن. الكمال غير موجود، ومحاولة الظهور بصورة مثالية تستنزف الطاقة وتخلق توترًا دائمًا. أما تقبل الذات مع السعي المستمر للتطور فيمنح صاحبه راحة تنعكس على ملامحه وسلوكه.
الثقة الهادئة تنمو بالإنجازات المتراكمة، حتى وإن كانت صغيرة. قراءة كتاب، تعلم مهارة، إتمام مهمة مؤجلة، أو التغلب على عادة سلبية؛ كلها رسائل يرسلها الإنسان إلى نفسه تقول: "أنا قادر". ومع تكرار هذه الرسائل تتجذر الثقة في الداخل.
وفوق ما سبق أعتقد أن الثقة الحقيقية لا تُولد مكتملة، غير أنها تبدأ من هدوء الإنسان مع نفسه، ومن قدرته على فهم إمكاناته وحدوده دون مبالغة أو انتقاص. وفي تصوري أن الهدوء يشكل التربة التي تنبت فيها الثقة؛ فكلما كان الإنسان أكثر اتزانًا في نظرته إلى ذاته، أصبح أكثر قدرة على التعامل مع المواقف بثبات وحكمة.
كما وأننا لو ركزنا قليلاً لوجدنا أنها ليست صفة جامدة، بيد أنها مهارة تنمو بالممارسة. أظن  أن كل تجربة يواجهها الإنسان بشجاعة، وكل مسؤولية ينجزها بإتقان، وكل موقف يتجاوز فيه تردده، يضيف لبنة جديدة في بناء ثقته بنفسه. وفي نظري أن التكرار الواعي لهذه الممارسات يحول الثقة من شعور مؤقت إلى جزء أصيل من الشخصية.
لذلك لا أرى الثقة في ارتفاع الصوت أو كثرة الحديث عن الإنجازات، أراها في هدوء الحضور، واتزان القرار، والقدرة على المضي قدمًا دون حاجة دائمة إلى تأكيد الآخرين أو تصفيقهم. فالهدوء يصنع جذور الثقة، والممارسة اليومية تمنحها النمو والاستمرار.
 إن الهدوء هو البيئة التي تنمو فيها الثقة. فكلما ازداد الإنسان هدوءًا في داخله، أصبح أكثر قدرة على رؤية الأمور بحجمها الحقيقي، وأكثر توازنًا في التعامل مع النجاح والإخفاق. الهدوء يمنح العقل مساحة للتفكير، ويمنح المشاعر فرصة للاستقرار، وعندها تتشكل الثقة بصورة طبيعية بعيدًا عن المظاهر المصطنعة.
آخر القول
الثقة الهادئة لا تولد في يوم واحد، وإنما تنمو بالممارسة. تنمو مع كل موقف تواجهه بشجاعة، ومع كل تجربة تتعلم منها، ومع كل مرة تختار فيها أن تكون نفسك دون تكلّف أو تصنّع. وعندما تصبح الثقة جزءًا من تكوينك الداخلي، تتحول الجاذبية إلى نتيجة طبيعية لحضورك الإنساني.