النهار

١٤ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ يونيو-٢٠٢٦       4070

بقلم- الدكتورة : إيمان حماد الحماد

الصديق الصدوق ، للروح كظلها ، وفي الدرب رفيق ، تراه كتوأمك ، وتشعر أنه بك يليق ..
تقضي معه ساعات طوال ، ولا تشعر بالوقت ، تسمع صوته يتردد حولك ، وتذكره حين يطول الصمت ..
 وكأنه الروح التي تسكن روحك ، وتشعر معها بالسلام ، والظل الذي لا يفارقك مهما اشتدت حرارة الأيام، والنجم الذي يضيء الطريق حين يغيب القمر وتتلبد السماء بالغمام . 
هو بستانٌ لا يذبل زهره، تتنسم فيه أريج المودة كلما ضاقت بك الدنيا، ونبعٌ صافٍ لا ينضب ماؤه، تشرب منه عذب الأمل حين تكلّ العزائم وتثقل الهموم. إن سقطت كان له يدٌ حانية تنتشلك قبل أن تلامس الأرض، وإن أخطأت كان له لسانٌ رقيقٌ يصوبك دون أن يجرح كبرياءك، وإن فرحت كان قلبه يرقص معك، وكأن السعادة لم تطرق باباً غير بابه.
الصديق مرآةٌ صافية تعكس لك الحقيقة التي قد يخفيها عنك الآخرون "على سبيل المجاملة " ، فترى فيها عيوبك قبل محاسنك، لتصقل نفسك وتتزين بالفضائل . 
وهو الملاذ الآمن حين تعصف بك رياح الزمن، فلا تهتز أركانه ولا يتغير لونه، بل يظل صخرةً راسخةً تلجأ إليها، وشجرةً وارفةً تستظل بظلها. 
في حضرة الصديق، تتسع الأماكن وتضيق الأحزان، وتتحول الساعات القصار إلى لحظاتٍ خالدةٍ تُحفظ في سجلات الذاكرة. هو الكتاب الذي لا يمل قارئه، كلما أعدت قراءته وجدت فيه معنىً جديداً وحكمةً نادرة. لا يُقاس بغزارة الكلام، بل بصدق الفعل، ولا بكثرة اللقاء، بل بعمق الوفاء.
وكم من إنسانٍ ظننته صديقاً فإذا به سرابٌ يتبدد مع أول وهلة شك، وكم من آخرٍ ظننته غريباً فإذا به كنزٌ ثمينٌ لا يُقدّر بثمن. فالصداقة  عقدٌ يُكتب بحبر القلوب ، وعهدٌ يُنقش في الصدر وكأنه المكتوب ، لا يمحوه الزمان مهما تعاقب شروق مع غروب ، يصونه الوفاء ، ويحميه الإخلاص ، ويغذيه الصدق ، ولا يليق به الشخص الكذوب  .
وأنت إذا امتلكت صديقاً صادقاً، فقد امتلكت عالماً بأسره، تشعر وكأن الله وهبك كنزا .. ، ومنحك قلبا يفرح لفرحك بلا حسد، ويحزن لحزنك بلا نفاق، ويبقى معك حين يتخلى عنك القريب والبعيد.
 فاحفظ هذه النعمة، وارعَ هذا الود، فالصديق الصالح ظلٌ نادرٌ، وكنزٌ لا يفنى، وجسرٌ يوصلك إلى بر الأمان في بحر الحياة المتلاطم.
فإن امتلكته ، فقد ملكت الدنيا ، حقيقة ليس حلما ، وكلنا بذاك حالم ..