النهار
بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
اعتدنا أن نربط الأرقوز بالضحك، وبالدمية التي تتحرك بخيوطٍ يحرّكها غيرها لإمتاع الجمهور وإثارة القهقهات، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فليس كل أرقوزٍ يُضحك الناس، وبعضهم لا يُرى ضاحكًا ولا باكيًا، بل مجرد حركةٍ تُدار من الخارج، وكأن الإنسان حين يفقد استقلال قراره لا يعود بحاجة إلى ضجيج حتى يُفهم.
ومن الناس من يملك الموهبة، لكنه لا يملك شجاعة امتلاكها؛ ينتظر الإشارة قبل أن يبدأ، والتصفيق قبل أن يستمر، حتى تتحول الموهبة مع الزمن إلى طاقةٍ معلّقة لا تعمل إلا إذا ضغط عليها غيرها، وكأن أخطر ما يصيب الإنسان ليس غياب القدرة، بل غياب الاستقلال الذي يجعل القدرة ذاتها بلا معنى.
وفي زاوية أخرى ؛ يقف صاحب المال، محاطًا بوجوهٍ تعرف متى تبتسم ومتى تصمت، حتى يختلط عليه الفرق بين الاحترام والمصلحة، وبين الحضور الحقيقي والوجود المؤقت؛ فالمال قادر على صناعة ازدحام حول الإنسان، لكنه لا يضمن أبدًا أن يكون هذا الازدحام حياةً حقيقية ؛ لأن القلوب لا تُستأجر مهما ارتفعت الأسعار.
وحين تتجلى السلطة ؛ تظهر خيوط أكثر دقة وخفاء؛ فبعض النفوس لا تكتفي بالنفوذ، بل تتغذى على انعكاسه في عيون الآخرين، فتستبدل الصدق بالإطراء، والحقيقة بما يُقال لها لتبقى مرتاحة، حتى تصبح السلطة في النهاية مرآةً تعكس ما يحب أن يسمعه صاحبها لا ما يجب أن يعرفه، وهنا تبدأ السلطة في التحول من أداة إدارة إلى قيدٍ ناعم لا يُرى لكنه يُمارس.
وليس بعيدًا عن ذلك من يعيش عمره كله يتقن فن التلوّن الاجتماعي، يبدل موقفه قبل أن يُطلب منه التبديل، ويعيد تشكيل صوته الداخلي بما يضمن له القبول، حتى يفقد شيئًا فشيئًا القدرة على التمييز بين ما يرضي الآخرين وما يشبهه هو ؛ لأن من يسعى لرضا الجميع ينتهي غالبًا بلا ملامح واضحة، وكأن كثرة الأقنعة تُنتج وجهًا لا يُعرف.
وفي زمن الشهرة السريعة ؛ أصبح التصفيق معيارًا بديلًا للقيمة عند البعض، فتُصنع المواقف أحيانًا لا لأنها تستحق أن تُروى، بل لأنها تُحدث ضجيجًا كافيًا للبقاء في المشهد، غير أن الاعتياد على هذا النوع من الحضور يجعل الإنسان يقيس ذاته بعدد العيون التي تراقبه، لا بعمق ما يقدمه، فيبدأ الخلط بين الظهور وبين القيمة، وبين الانتشار وبين المعنى.
وليس المقصود من ذلك إلغاء الفرح أو مصادرة البساطة؛ فالإنسان لا يعيش بالثقل وحده، لكن الفرق الدقيق يكمن فيمن يحافظ على مركزه الداخلي وهو يشارك العالم خفته، وبين من يفقد مركزه ليحصل على خفةٍ يصفق لها الآخرون ؛ لأن القيمة حين تُستبدل بردود الفعل، تبدأ في التآكل بهدوء دون أن يشعر صاحبها.
وفي نهاية هذا المشهد ؛ لا يعود السؤال: من هو الأرقوز؟ بل يصبح السؤال الأهم: ما الذي يحركني حين أظن أنني أتحرك بحرية؟ هل أقف حيث تملي عليّ قناعتي، أم حيث يوجهني الخوف من فقدان القبول؟ فالإنسان لا يتحول إلى نسخةٍ من الآخرين دفعة واحدة، بل يتنازل عن نفسه تدريجيًا، حتى يكتشف متأخرًا أنه يعيش حياةً لم يكتب سطرًا واحدًا فيها بإرادته.
لقد تبدلت المسارح، وتغيرت الوجوه، لكن الخيوط بقيت تعمل بالطريقة نفسها؛ من يتنازل عن استقلاله، لا يحتاج إلى أن يكون مضحكًا ليكون أرقوزًا، يكفي أن يتحرك حين يُسحب، ويتوقف حين يُترك، دون أن يسأل نفسه: هل هذه حياتي… أم مجرد دورٍ أُجبرت على أدائه ؛ فلا تكن أرقوزًا في مسرح غيرك!!