بقلم- د. علي بن عالي السعدوني
لم يعد الإعلام الرياضي في العصر الحديث مجرد وسيلة تنقل نتائج المباريات وأخبار الأندية إلى الجماهير بل تحول إلى قوة اجتماعية وثقافية مؤثرة في تشكيل الاتجاهات العامة وصناعة القناعات الجماهيرية وتحديد أولويات النقاش داخل المجتمع حتى أصبح كثير من الناس يتابعون الأحداث الرياضية من خلال ما يقدمه الإعلام أكثر مما يتابعونها من خلال الوقائع الميدانية ذاتها الأمر الذي منح الخطاب الرياضي قدرة واسعة على التأثير في الوعي الجمعي وصناعة الصور الذهنية وتوجيه الرأي العام نحو قضايا بعينها وإبعاد الاهتمام عن قضايا أخرى.
وتكمن أهمية دراسة الخطاب الإعلامي الرياضي في أنه لم يعد خطابًا متخصصًا موجهًا لفئة محددة من المهتمين بالرياضة، وإنما أصبح خطابًا جماهيريًا واسع الانتشار يتسلل إلى البيوت والمجالس ومنصات التواصل الاجتماعي والمساحات العامة، ويؤثر في مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والثقافية الأمر الذي يجعل تحليل مضامينه وأساليبه وأهدافه ضرورة لفهم حجم التأثير الذي يمارسه في المجتمع المعاصر.
ويلاحظ أن كثيرًا من البرامج الرياضية أصبحت تعتمد على صناعة الجدل المستمر واستثارة المشاعر الجماهيرية واستحضار الخلافات القديمة وتضخيم الأخطاء التحكيمية وإعادة تدوير القضايا المثيرة للنقاش بصورة تجعل المشاهد أسيرًا لحالة من المتابعة اليومية المتواصلة التي تقوم على الترقب والانفعال والاصطفاف العاطفي بين الجماهير في مشهد تتراجع فيه أحيانًا القيم الرياضية الأصيلة التي تقوم على المنافسة الشريفة والاحترام المتبادل والارتقاء بالذوق الرياضي العام.
كما أن بعض الخطابات الإعلامية الرياضية باتت تركز على الأشخاص أكثر من تركيزها على الأفكار، وعلى الصراعات أكثر من تركيزها على الحلول، وعلى جذب المشاهدات أكثر من اهتمامها ببناء ثقافة رياضية واعية وقادرة على تعزيز قيم الانتماء الوطني والتسامح والتنافس الشريف، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة التعصب الرياضي بصورة أصبحت تنعكس على لغة الجماهير وسلوكها داخل الملاعب وخارجها وفي فضاءات التواصل الاجتماعي المختلفة.
ومن القضايا الجديرة بالتأمل أن بعض المنابر الرياضية تمنح مساحات واسعة لأشخاص لا يمتلكون التأهيل العلمي أو المهني الكافي لممارسة العمل الإعلامي المتخصص، وإنما اكتسبوا شهرتهم من خلال ارتباطهم بالأندية أو من خلال حضورهم الجماهيري أو قدرتهم على إثارة الجدل واستقطاب المتابعين الأمر الذي أوجد حالة من الخلط بين الإعلام المهني القائم على المعرفة والخبرة والتحليل الموضوعي، وبين الإعلام القائم على الانفعال والميول الشخصية والرغبة في تحقيق الانتشار السريع ولو على حساب المصداقية والدقة والاتزان.
ويفترض بالإعلام الرياضي أن يكون مساحة للحوار العقلاني وتبادل الآراء المختلفة وتعزيز الثقافة الرياضية ونشر قيم الاحترام والتسامح بين الجماهير، وأن يسهم في بناء جسور التفاهم بين الأندية ومشجعيها وبين الرياضيين والجمهور، وأن يقدم النماذج الإيجابية التي تعكس روح الرياضة بوصفها نشاطًا إنسانيًا يجمع الناس على التنافس الشريف لا على الخصومة الدائمة، وعلى التقدير المتبادل لا على صناعة الكراهية والانقسام.
كما أن الرياضة في جوهرها مشروع وطني وثقافي واجتماعي واقتصادي كبير يرتبط بصحة المجتمع وشبابه وصورته الحضارية ومكانته الدولية، ولذلك فإن الخطاب الإعلامي المصاحب لها ينبغي أن يرتقي إلى مستوى هذه المسؤولية الكبيرة، وأن يبتعد عن كل ما من شأنه تأجيج الخلافات أو تعميق الانقسامات أو تحويل الرياضة إلى ساحة للصراعات اللفظية المتواصلة التي تستنزف الجهد والوقت والوعي دون أن تقدم قيمة حقيقية للمجتمع.
إن الإعلام الرياضي الناجح هو ذلك الإعلام الذي يوازن بين الجاذبية المهنية وبين المسؤولية الأخلاقية، وبين حق الجماهير في المعرفة وبين واجب الإعلام في التوجيه الإيجابي، وبين متطلبات المنافسة الإعلامية وبين المحافظة على القيم الرياضية الرفيعة؛ لأن الرياضة التي تبني الإنسان وتوحد المجتمع وتدعم روح العمل الجماعي تستحق خطابًا إعلاميًا ناضجًا، خطابًا يزرع الوعي بدل التعصب، وينشر الثقافة بدل الإثارة، ويصنع القدوة بدل الصراع، ويجعل من الرياضة جسرًا للتقارب الاجتماعي والحضاري، لا وسيلة لإشعال الخلافات واستدامة الانقسامات بين أبناء المجتمع الواحد.