النهار

١١ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يونيو-٢٠٢٦       6215

بقلم- حمد بن وهب الملحم العنزي 

يسعدني تسليط الضوء على مقتطفات من كتاب «البرامج والخدمات الانتقالية للأشخاص ذوي الإعاقة في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030»، حيث ركز الكتاب على تجاوز البرامج والخدمات مرحلة الاهتمام والرعاية فقط، لتعبر إلى التمكين والاندماج الكامل في الحياة العامة، وذلك بما يتوافق مع رؤية 2030، التي وضعت تمكين الفئات الأكثر احتياجًا - ومنهم ذوو الإعاقة - في صلب أهدافها التنموية، وجاء هذا الكتاب استجابة للتحول الذي تشهده المملكة في رؤيتها، وهذا الكتاب من إعداد المؤلفة صاحبة السمو الأميرة/ تهاني بنت عبد العزيز آل سعود.
    تتجه السياسات الحديثة إلى دمج ذوي الإعاقة في نسيج المجتمع، وتوفير بيئات داعمة تُعزز استقلاليتهم ومشاركتهم الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من الاقتصار على تقديم خدمات صحية وتعليمية منفصلة، وتجدر الإشارة إلى الجهود التي بذلتها وتبذلها المملكة لتوفير خدمات تعليمية وتأهيلية متنوعة، بدءًا من التشريعات واللوائح التنظيمية، وصولًا إلى إنشاء مؤسسات متخصصة مثل مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة، أصبح تطور المملكة في ميدان رعاية ذوي الإعاقة يُقاس بجودة الخدمات المقدمة ومدى وصولها للفئات المستهدفة، حيث أن هذه الفئة جزءًا لا يتجزأ من رأس المال البشري، وأن تمكينهم من التعليم والتوظيف والاندماج في المجتمع ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق التنمية الشاملة، والتأكيد على أن الاهتمام بذوي الإعاقة في المملكة لم يعد مقتصرًا على البُعد الإنساني، بل أصبح ركيزة من ركائز التخطيط الوطني المستقبلي، باعتبار أن تنمية المجتمع لا يمكن أن تكتمل دون استثمار كل الطاقات الممكنة، بمن فيهم ذوو الإعاقة، وتشير المؤلفة بتأكيد أن الخدمات الانتقالية تقوم على خمسة مبادئ توجيهية أساسية: التخطيط المبكر، وتمكين الطالب، والمشاركة الأسرية، والأنشطة المجتمعية، والتعاون بين الوكالات.
    وتضيف المؤلفة أن الخدمات الانتقالية لا تتخذ شكلًا واحدًا، بل تتنوع بتنوع الاحتياجات والقدرات والبيئات، لدعم الطالب خلال انتقاله من المدرسة إلى بيئات أكثر استقلالًا، سواء كانت تعليمية أو مهنية أو اجتماعية، وهناك أنواع رئيسية من الخدمات الانتقالية: التدريب المهني الذي يُكسب الطالب مهارات العمل والاستعداد المهني؛ ومشاركة الوالدين بوصفها ركيزة في دعم الطالب وتوجيهه؛ والعمل المدفوع الذي يسمح بتجربة بيئة العمل الواقعية قبل التخرج؛ وأخيرًا التدريب على المهارات الاجتماعية الذي يعزّز قدرة الطالب على التفاعل المجتمعي والتواصل بثقة، وتؤكد المؤلفة على أن نجاح الخدمات الانتقالية لا يتحقق إلا من خلال شراكات متعددة المستويات، تضم الطالب نفسه، وأسرته، ومعلم التربية الخاصة، وممثلي الوكالات التعليمية، وأشخاصًا قادرين على تفسير نتائج التقييم، بما يضمن تكوين خطة انتقالية دقيقة وواقعية، ومن العوامل التي تُسهم في فاعلية هذه الخدمات: فهم طبيعة إعاقة الطالب، وتحمّل المسؤولية عن نجاحه، وتبني مناهج تحضيرية مناسبة، وتعزيز مهارات دراسية مثل إدارة الوقت، والكتابة الجيدة، واستخدام الحاسوب، وتذكر المؤلفة مجموعة من التوصيات لتحسين واقع الخدمات الانتقالية، مثل تنظيم برامج توعوية للطلاب وأسرهم.
    يمثّل الكتاب مساهمة علمية رصينة في حقل التربية الخاصة، حيث يُعيد تأطير قضية الإعاقة من منظور شامل يربط بين الأبعاد التربوية والاجتماعية والتنموية، في سياق تحوّل وطني واسع، وقد نجحت المؤلفة في تقديم معالجة منهجية متدرجة تبدأ من تأصيل المفاهيم والنماذج، مرورًا بتحليل الواقع المؤسسي والخدماتي، وصولًا إلى الربط الاستراتيجي مع مرتكزات رؤية 2030، ويُبيّن الكتاب أن الخدمات الانتقالية لم تعد ترفًا تربويًا، بل ضرورة تنموية تفرضها الحاجة إلى تهيئة الأشخاص ذوي الإعاقة للاندماج الكامل في الحياة العامة.
   كما أكد الكتاب على أن ذوي الإعاقة ليسوا عبئًا، بل موردًا بشريًا يمكن أن يكون فاعلًا في حركة المجتمع، متى ما توفرت له المسارات والفرص، ومن هذا المنطلق، يُعد الكتاب وثيقة مرجعية لكل من يعمل في مجال التربية الخاصة، أو يُخطط لسياسات الدمج الاجتماعي والاقتصادي، حيث يوفّر رؤية متكاملة وعملية تضع الإنسان في قلب العملية التنموية، وتفتح أمامه آفاق المستقبل بإمكاناته لا بإعاقته.