الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٦       2200

بقلم ـ ياسين سالم

من قبل الإسلام وأبناء هذه الأرض يعرفون أن لهم شرفاً لا يشاركهم فيه أحد , كانوا حماة الحرم , سدنة الكعبة , يتولون السقاية والرفادة , ويطعمون الحاج ويسقونه , وكأن خدمة البيت كانت قدرهم الذي لا يستطيعون فراقه , ولا يفارقهم وهم به راضون فخورون , لم تكن وظيفة تُطلب ولا منصباً يُتنافس عليه , بل أمانة توارثوها حتى صارت من ملامح هويتهم ,  
فلما جاء الإسلام زاد الشرف شرفاً , لم تتغير المهمة , لكنها ارتقت من عادة قبلية إلى عبادة وقربة , ومنذ ذلك اليوم وقبل 1447 سنة , وقف أبناء هذه الأرض على خدمة ضيوف الرحمن في كل موسم , ينظمون الطريق , يعينون الضعيف , ويسهرون على راحة من جاء من أقاصي الأرض يطلب رضا ربه , كانوا يرون في كل حاج وجه أبيهم آدم , وفي كل تعب يلاقونه أجراً لا يضيع ,  
ومع قيام الدولة السعودية قبل قرابة ثلاثمائة سنة , لم تبدأ قصة جديدة , بل امتدت القصة القديمة على هيئة دولة , حملت الدولة على عاتقها ما كان يحمله الأفراد والقبائل من جهد وطوّرت منه , وجعلت من أمن الحرم وراحة الحاج استراتيجية ونهج , مرّت السنون وتتابعت التوسعات , خطوة بعد خطوة , فاتسعت ساحات الحرم , وارتفعت المآذن , وسُهّلت السقيا , وانفتحت الطرق , ودخلت التقنية لتخدم من لا يعرف العربية ولا يعرف المكان , كل ذلك كان ليبقى الحاج في مأمن , وليجد في مكة والمدينة من يقول له " أنت في بيتك وفي كنف أهلك " بفضل الله ثم فضل هذه القيادة الرشيدة سلفاً وخلفاً ,  

اليوم ونحن نرى الحشود التي تملأ الحرمين , ندرك أن المسألة أكبر من عمران وبناء , المسألة قلب تعلق بهذا المكان منذ آلاف السنين ولم يمل , مسألة أمانة حملها الأجداد وسلموها للأبناء , فصارت سمة لا تفارق هذا الوطن , أن تكون في خدمة الحرم , ليس لقباً يُكتب في سجل , بل معنى "خُدّام الحرم" تعيشه كل يوم في ملامح رجال الأمن , في ابتسامة المتطوع , في اهتمام الطبيب , في كأس الماء البارد الذي يُمد لعابر سبيل في عز الهجير ,  

ولهذا حين أقول كمواطن سعودي إننا خُدّام الحرمين الشريفين , لا أقولها فخراً كشعار عابر , أقولها وأنا أذكر من سبق وتاريخ طويل , وأرى من يعمل الآن , وسيحملها من بعدنا أبناؤنا كما حملناها كابراً عن كابر , يا له من شرفٍ عظيم أن تكون هذه الأرض هي الأرض , وأن يكون هذا الشعب هو الشعب , وأن تبقى الخدمة قدراً لا ينقطع ما بقي الزمان .