الكاتب :
التاريخ: ٢٢ مايو-٢٠٢٦       3355

بقلم - ياسين سالم

المتابع لتاريخ اليمن الحديث يلاحظ أن فكرة الوحدة لم تكن شعاراً سياسياً عابراً ، بل كانت ثمرة وعي تكون عبر تضحيات متتالية ، فثورة السادس والعشرين من سبتمبر في الشمال ، وثورة الرابع عشر من أكتوبر في الجنوب ضد الاستعمار ، بدتا مختلفتين في الخصم والجغرافيا ، لكنهما التقتا في غاية واحدة الا وهي كسر التجزئة وإعادة الاعتبار لليمن ككيان واحد ، وما تحقق في الثاني والعشرين من مايو عام 1990 لم يكن إلا تتويجاً لهذا الوعي الذي زرعه جيل آمن بأن اليمن أكبر من الحدود المصطنعة ومايجمعه اكثر مما يفرقه ،

من وجهة نظري كمتابع ، تبدو الوحدة دائماً خيار العقلاء ، الدول التي توحدت استطاعت أن تحول تشظيها إلى قوة ، ألمانيا وإيطاليا خرجتا من دول صغيرة او غير مؤثرة لتصبحا من أكبر الاقتصادات في العالم ، بريطانيا لم تصبح إمبراطورية إلا بعد أن جمعت مكوناتها تحت سقف واحد ، وحتى في آسيا ، فإن ماليزيا وفيتنام لم تنطلقا نحو الاستقرار والنمو إلا بعد أن أنهتا الانقسام الداخلي ، والدرس واضح ، السوق الواحدة والجيش الواحد والصوت الواحد في المحافل الدولية ، كلها لا تتأتى إلا بالوحدة ،

ما يلفت النظر في الحالة اليمنية أن دعوات التفرقة اليوم لا تستند إلى مشروع جيل الثورة السابق ، فذلك الجيل "الاباء والأجداد" دفع من دمه لأجل يمن موحد ، ولم يكن همّه إلا انتزاع الوطن من الإمامة المخترقة خارجياً والاستعمار في الجنوب ، أما ما نسمعه الآن من خطاب انفصالي فهو أقرب إلى مشاريع مستوردة ، تتحرك بمصالح خارجية وأدوات محلية ، لا تملك جذوراً في وجدان الناس الذين ذاقوا ويلات التشظي ،

ولهذا فإن أي مراقب منصف يرى أن اليمن اليوم لا يحتمل مزيداً من الانقسام ، البلد الذي عرف طعم الفرقة يعرف قيمة الاجتماع ، والوحدة ، كما دل عليها الشرع والعرف والتجربة والتاريخ ، ليست خياراً عاطفياً ، بل ضرورة وجودية بها يحفظ الدم وتصان الأرض ، ويستعيد اليمن مكانته الطبيعية بين الأمم ،

فالعهد الحقيقي الذي يجب أن يلتزم به الجميع هو التمسك بما يجمع وترك ما يفرق ، والعمل على بناء دولة عادلة يشعر فيها كل يمني أنه شريك لا تابع ، فذلك وحده ما يحفظ الوحدة حيّة في النفوس ، ويمنعها أن تتحول إلى ذكرى ، 
وخير ما نختتم به كلام الوحيين والتذكير بما امر الله به ورسوله قال تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "يد الله مع الجماعة" ، 
فالوحدة طريق العافية ، والاجتماع سبيل القوة .