النهار

٢١ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ مايو-٢٠٢٦       5885

بقلم-عبدالمحسن محمد الحارثي

في زمنٍ امتلأت فيه الموائد، وتغيّرت فيه أنماط العيش ؛ لم يعد السؤال: ماذا نأكل؟
بل: ماذا يأكلنا ونحن نظنّ أننا نأكله؟!

ومن هنا ؛ برزت أطروحات غذائية تحاول إعادة تعريف علاقة الإنسان بالطعام، وكان من أبرزها ما يُطرح تحت عنوان : «نظام الطيبات»، الذي أثار جدلًا واسعًا بين مؤيدٍ يراه وعيًا صحيًا وإصلاحًا لمسار التغذية، ومعارضٍ يراه تهويلًا يُشيطن الطعام ويُربك المجتمع.

غير أن السؤال الأعمق لا يتوقف عند حدود القبول والرفض، بل يتجاوزهما إلى الجذور: لماذا ظهرت هذه الطروحات أصلًا في هذا التوقيت؟

يبدو  أن هذا النوع من البحوث لم يأتِ من فراغ، بل من تحولات عميقة في علاقة الإنسان بالغذاء.
فالطعام لم يعد مجرد حاجة فطرية، بل أصبح صناعة ضخمة تُدار بمنطق السوق والاستهلاك والإدمان الناعم.
وهنا تتجلى المقولة التي تلخص التحول الإنساني بحدة لافتة: "الإنسان هو ما يأكل" ؛ حتى غدت هذه العبارة أقرب إلى توصيف واقعي منها إلى تأمل فلسفي.

وفي ظل هذا التحول ؛ ارتفعت مؤشرات القلق الصحي عالميًا، من السمنة إلى الأمراض المزمنة واضطرابات التغذية ؛ حتى صار السؤال عن “الطبق” جزءًا من سؤال أكبر عن نمط الحياة بأكمله، لا عن الغذاء وحده.

ومن هنا ؛ يطرح البعض تساؤلًا حساسًا: هل الجدل حول هذه الطروحات غذائي صرف، أم أن وراءه تداخلات مع مصالح اقتصادية لا تنظر بعين الرضا إلى أي خطاب يرفع وعي الاستهلاك ويقلّص العادة الشرائية؟

لا يمكن إطلاق الأحكام، لكن من الثابت تاريخيًا أن الأسواق الكبرى لا تُرحّب بسهولة بأي وعي يقلّل الاستهلاك أو يعيد تشكيل سلوك المستهلك.
فالسوق يقوم على “العادة”، بينما يقوم الوعي على “السؤال”، وبين الاثنين مسافة لا تُستهان بها في الاقتصاد والسلوك البشري.

وفي المقابل ؛ فإن المؤيدين لهذه الرؤى ليسوا على مستوى واحد؛ فمنهم من ينطلق من دافع صحي خالص يبحث عن حياة أكثر توازنًا، ومنهم من وجد في موجة "الوعي الغذائي" مساحة للتأثير أو الانتشار أو حتى صناعة الحضور.
وهنا تختلط النوايا كما تختلط الاتجاهات، ولا يبقى المشهد بسيطًا كما يبدو من الخارج.

لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحول الخطاب الغذائي من مساحة للتوعية إلى مساحة للتخويف، أو من دعوة للاعتدال إلى خطاب صارم يُربك الناس بين الإفراط في الحذر أو الإفراط في الإهمال.

والحقيقة ؛ أن جوهر القضية لا يكمن في “نوع الطعام” بقدر ما يكمن في “ميزان العلاقة معه”.
فليس كل طعام حديث خطرًا، ولا كل طعام تقليدي بريئًا، كما أن سوء التغذية لا يأتي من الجوع وحده، بل قد يأتي من الامتلاء أيضًا.

وهنا تتكشف المفارقة التي قد يغفل عنها كثيرون:
قد يظن الإنسان أن المشكلة في قلة الطعام، بينما تكون أحيانًا في كثرة ما لا يحتاجه منه.
وقد يظن أن الخطر في الفراغ، بينما يكون في الامتلاء غير المتوازن.

وكما قيل في الحكمة القديمة: «إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة» ؛ وهي عبارة تلخص أثر الإفراط على الجسد والعقل معًا، لا من باب المنع، بل من باب التنبيه إلى أثر الاختلال.

وفي الاتجاه نفسه ؛ يقرر ابن سينا معنى بالغ الأثر حين يقول: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء»، غير أن الحمية هنا ليست حرمانًا، بل ضبطًا للإفراط واستعادة للتوازن.

ومن زاوية أخرى ؛ فإن سوء التغذية الحديث لم يعد مرتبطًا بنقص الغذاء فقط، بل قد يتجلى في وفرةٍ غير منضبطة تستهلك الجسد أكثر مما تغذّيه؛
فالإنسان قد يُنهك بالنقص كما يُنهك بالزيادة، وكلاهما شكلان لاختلالٍ واحد.

ولذلك يمكن القول ؛ إن بعض المجاعات المعاصرة لم تعد تُقاس بفراغ الموائد، بل أحيانًا بامتلائها؛
فالإنسان قد يمرض من قلة ما يأكل، كما قد ينهار من كثرة ما لا يحتاج.

وفي سياق الاستدامة الغذائية ؛ فإن هذه النقاشات — رغم الجدل حولها — تفتح بابًا مهمًا لإعادة التفكير في جودة الغذاء، وتقليل الهدر، وتشجيع الإنتاج المحلي، وربط الغذاء بالصحة والتنمية، وهي محاور باتت جزءًا من سياسات دولية متقدمة.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية في خلفية هذا الجدل: حول من تدور شبهة محاربة بعض هذه الطروحات أو رموزها؟

الإجابة لا تُحسم بسهولة؛ فبعض الاعتراضات علمي، وبعضها اقتصادي، وبعضها ناتج عن اختلاف في المنهج أو أسلوب الطرح، وفي المقابل قد يكون بعض الخطاب بحاجة أصلًا إلى مزيد من التوازن حتى لا يُفهم على أنه مواجهة أو وصاية.

ولهذا ؛ يظل الإنصاف هو القاعدة الأهم:
ألا نُقدّس الأشخاص، ولا نُشيطن الأسئلة.
فالحقائق لا تُبنى على الانطباع، ولا تُحسم بالجدل، بل تُختبر بالبحث والتجربة والتراكم العلمي.

وفي النهاية ؛ فإن معركة الغذاء اليوم لم تعد معركة مذاق، بل معركة وعي بالدرجة الأولى ؛ بين من يرى الإنسان مستهلكًا بلا تفكير، ومن يراه كائنًا قادرًا على فهم أثر ما يدخل جسده.

ويبقى المعنى الأوضح في قلب هذا الجدل كله:
"كلّما ارتفع وعي الإنسان بغذائه… ارتبكت أسواقٌ كاملة".