النهار

١٦ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ مايو-٢٠٢٦       4840

بقلم طارق محمود نواب

هناك رجالٌ لا يمرّون في التاريخ بوصفهم أسماءً عابرة، بل يدخلونه من أبوابه الواسعة، ويجلسون في الصفحات التي لا يطويها الزمن. فهم رجالٌ حين يُذكرون لا تُذكر معهم مناصبهم فقط، بل تُذكر معهم التحولات، وتُستعاد عند الحديث عنهم مراحل كاملة من التغيير. وعراب الصحافة الأستاذ القدير عثمان العمير واحدٌ من أولئك الذين لم يكونوا شهودًا على الزمن، بل شركاء في صناعته.

فالصحافة لم تكن بالنسبة له وظيفةً يوميةً تبدأ مع العنوان وتنتهي عند آخر السطر، ولم تكن مجرد مهنةٍ تمارس داخل غرف الأخبار، بل كانت رؤيةً أوسع من الورق، وأبعد من حدود الخبر نفسه. فقد كان يرى الصحافة بوصفها روحًا تتحرك، وعقلًا يسبق الأحداث، ورسالةً تمتلك القدرة على إعادة تشكيل الوعي الإنساني.

وفي زمنٍ كانت فيه الصحف الورقية تُمسك بالمشهد الإعلامي من أطرافه كلها، وكانت المطابع تصدر أصواتها كل فجر كأنها نبض الحياة اليومية، وحيث كان مجرد التفكير في صحيفةٍ إلكترونية عربية فكرةً تبدو غريبةً على المشهد الصحفي آنذاك. حيث كان الورق يومها سيد المكان، وكانت رائحة الحبر جزءًا من ذاكرة الناس، حتى بدا أن الصحافة وُلدت على الورق ولن تغادره أبدًا.

لكن الرؤى الكبيرة لا تنظر إلى ما يراه الناس فقط، بل تنظر إلى ما سيأتي بعده.

وهنا ظهر الفارق بين من يعيش داخل الزمن، ومن يقرأ الزمن قبل أن يصل.

فبينما كان كثيرون ينظرون إلى العالم الرقمي بوصفه تجربةً غير مضمونة، أو احتمالًا بعيدًا قد لا يصمد طويلًا، كان أ. عثمان العمير يقف في مكانٍ مختلف. فلم يكن يسأل هل سينجح العالم الرقمي؟ بل كان يسأل سؤالًا آخر أكثر عمقًا ماذا سيحدث حين يستيقظ هذا العالم؟

فقد كان يرى الشاشة قبل أن تتحول إلى نافذة يومية للبشر، وكان يرى القارئ القادم قبل أن يولد شكله الجديد. وأدرك أن العالم يتجه نحو فضاءاتٍ مختلفة، وأن الصحافة لن تبقى محصورة بين صفحاتٍ تُطوى آخر النهار، بل ستتحول إلى حضورٍ دائم يصل إلى الناس أينما كانوا، وفي أي وقت أرادوا.

ومن هنا لم تولد "إيلاف" بوصفها صحيفة إلكترونية فحسب، بل وُلدت بوصفها مشروعًا إعلاميًا استثنائيًا سبق زمنه. حيث كانت إعلانًا مبكرًا عن مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام العربي، ورسالة تقول إن الحرف قادر على تغيير ثوبه دون أن يفقد قيمته، وإن الصحافة لا تعيش بالورق وحده، بل تعيش بالفكرة والرؤية.

وقد راهن البعض على أن التجربة مغامرة صحفية لن تعيش طويلًا، وأن القارئ سيعود إلى عاداته القديمة، وأن الشاشة لن تستطيع منافسة الورق، لكن السنوات كانت تُثبت في كل مرة أن الأفكار الكبيرة لا تحتاج إلى من يدافع عنها، فالزمن وحده يتكفل بذلك.

ومرت السنوات

ثم استيقظ العالم الرقمي كاملًا.

حيث استيقظت المنصات، واستيقظت المواقع، واستيقظت الهواتف الذكية، وتحولت الشاشة الصغيرة التي تُحمل في اليد إلى عالمٍ كامل، وأصبحت الصحافة الإلكترونية واقعًا يقود المشهد الإعلامي العالمي بأسره.

وعندها فقط أدرك كثيرون أن بعض الرجال لم يكونوا يغامرون، بل كانوا يرون ما لم يره الآخرون.

ويأتي هذا الحديث اليوم متزامنًا مع احتفال إيلاف هذه الأيام بيوبيلهاالفضي ومرور بخمسةٍ وعشرين عامًا على تأسيسها، وهي لا تحتفل بعمرٍ زمني فحسب، بل برحلةٍ إعلامية صنعت حضورها بثبات، ورسخت اسمها بوصفها واحدة من أبرز التجارب الصحفية العربية الحديثة. فخمسة وعشرون عامًا أثبتت فيها أن الرؤية حين يقودها رجل يقرأ المستقبل بعين مختلفة، تتحول من فكرة جريئة إلى تاريخ يُكتب.

ولقد كان أ.عثمان العمير واحدًا من هؤلاء.

فلم يكن مجرد مؤسس صحيفة، ولم يكن مجرد صحفي كبير، بل كان قارئًا استثنائيًا للمستقبل، وصاحب رؤية فهمت حركة الزمن قبل أن تتضح ملامحها.

ولهذا فإن لقب عرّاب الصحافة لا يبدو وصفًا مجازيًا بقدر ما يبدو حقيقة صنعتها السنوات، لأن العرّاب الحقيقي ليس من يرافق الحكاية، بل من يبدأها.

وقبل أن يستيقظ العالم الرقمي.

كان أ.عثمان العمير هناك، ينتظر المستقبل بثقة، بينما كان المستقبل نفسه يسير نحوه.