النهار

١٥ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ مايو-٢٠٢٦       2640

بقلم ـ د. خالد بن يحيي القحطاني 

في مقال سابق كان الحديث عن مسرح الابتكار أو ما يُعرف بـ Innovation Theater؛ ذلك النمط الذي تُستعار فيه لغة الابتكار وأدواته ومظاهره، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى أثر حقيقي أو قيمة قابلة للقياس.

فحين يصبح الابتكار منصات وعروضًا ومبادرات احتفالية، أكثر مما هو تجريب وتعلّم وتحويل للأفكار إلى نتائج، فإننا لا نكون أمام ابتكار ناضج، بل أمام مشهد يُحسن (تمثيل) الابتكار ولا يمارسه. ومن ذات الفكرة يمكن أن نطل في هذا المقال على مجال آخر لا يقل حساسية:
*الملتقيات والمؤتمرات التي تُقدَّم بوصفها “علمية”.* 
السؤال هنا! 
*هل تصنع هذه الفعاليات معرفة، أم تكتفي أحيانًا بصناعة مشهد يشبه المعرفة؟*
المشكلة ليست في الملتقيات والمؤتمرات من حيث الأصل، فهي منصات مهمة لتداول المعرفة، وتوسيع النقاش، وربط الباحثين بالممارسين وصنّاع القرار. لكن الإشكالية تبدأ حين تُستعار صفة (العلمية) بوصفها وجاهة لغوية، لا التزامًا بمنهجها. فصفة العلمية ليست مجرد عنوان بل(مسؤولية) ومسؤولية عظيمة جداً تبدأ من سؤال بحثي واضح، ثم منهج قابل للفحص، وتنتهي بمخرجات يمكن نقدها وتقويضها والبناء عليها من قبل باحثين آخرين، وهكذا .. 
يجب أن نعلم بأن العبرة ليست بما تُسمى به الفعالية، بل بما يبقى منها بعد أن تنتهي. فالأسماء قد تمنح المشهد مظهر علمي، لكنها لا تمنحه (الجوهر). وحده السؤال الجاد، والمنهج المنضبط، والتحكيم الصارم، والمخرج القابل للنقد، هو ما يجعل من اللقاء (معرفة) لا (مجرد مناسبة). حين يغيب ذلك، تصبح الصفة العلمية مجرد (قناعًا ناعمًا) يجمّل الفعالية، لكنه لا يرفع قيمتها المعرفية.
وسبق في هذا الشأن؛ أن تناولت الأدبيات الدولية هذا القلق من زاوية ما يُعرف بـ *المؤتمرات المفترسة أو Predatory Conferences*، وهي المؤتمرات التي توظف ( المظهر الأكاديمي) لاستقطاب الباحثين -غالبًا عبر وعود سريعة بالقبول أو النشر- مع ضعف أو غياب للتحكيم. وقد أشارت مراجعة منهجية منشورة في BMJ Open عام 2022 إلى أن الأدبيات حول هذه الظاهرة تربطها بالممارسات المظللة واستغلال حاجة الباحثين او الاشخاص بشكل عام إلى *النشر* و *المشاركة الأكاديمية* او *حتى لمجرد الظهور*،ولذلك حذّر تقرير InterAcademy Partnership من أن هذه (الممارسات المفترسة) هي في حقيقتها ( معول هدم) تهدد نزاهة البحث العلمي وتتطلب تدخلًا عاجلاً و منهجيًا لمواجهتها.
من مظاهر هذا ( الاحتيال) أن هناك مؤتمرات وملتقيات توصف بالعلمية وربما تقيمها جهات معتبرة، لكنها (ضعيفة الحوكمة العلمية)، تبدو جادة في شكلها: شعار، وبرنامج، ومتحدثون، وتغطية إعلامية، وشهادات؛ لكنها في جوهرها تعاني في مضمونها من ضعف المعايير،وغموض التحكيم، و عدم وضوح طبيعة المشاركات: هل هي أوراق محكّمة؟ أم عروض تجارب؟ أم مداخلات عامة؟
هنا تكمن الخطورة الهادئة: أن تنجح الفعالية تنظيميًا وتفشل معرفيًا. 
أن تُقاس بعدد الحضور لا بجودة الأسئلة، وبكثافة البرنامج لا بعمق المخرجات، وبالتغطية الإعلامية لا بما أضافته إلى المعرفة.
ولهذا السبب نشأت مبادرة Think. Check. Attend لتذكّر الباحثين والمؤسسات بأهمية التحقق من الجهة المنظمة، وشفافية المعايير، وشرعية المؤتمر قبل المشاركة فيه. 
هذه المبادرات لا تدعو إلى الشك في كل فعالية، لكنها تدعو إلى إنقاذ العلم من (المجاملة) و ( الجهل) و( الخيانة العلمية).
إن تشجيع البحث العلمي الرصين لا يتحقق بكثرة الملتقيات وحدها، ولا بازدحام البرامج، ولا بعدد الشهادات، بل بحماية معنى العلم ذاته. يبدأ ذلك من صدق التسمية: فإن كانت الفعالية مهنية فلتكن مهنية، وإن كانت معرفية فلتكن مساحة حوار، وإن كانت علمية فلتقبل شروط العلم كاملة: لجنة مؤهلة، معايير معلنة، تحكيم واضح، توثيق رصين، ومخرجات قابلة للمراجعة والنقد.
ليست الغاية من هذا النقد التقليل من شأن المؤتمرات والملتقيات، بل رفع قيمتها.
 فالمؤسسات تحتاج إلى منصات معرفة حقيقية، لا إلى (مسرحيات) مستتره خلف مصلح علمي.
 وتحتاج إلى توصيات مبنية على دليل، لا إلى عبارات ختامية لا تصمد أمام الفحص.
 وتحتاج إلى باحثين يضيفون للوعي، لا إلى مشاركات تضاف إلى الأرقام.
ولنتذكر دائماً أن المعرفة لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون عميقة، ولا إلى عناوين ضخمة كي تكون صادقة. 
تحتاج إلى أمانة السؤال، وصبر المنهج، وشجاعة التحكيم، وتواضع الباحث أمام الدليل.