النهار

١٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       2200

بقلم - الدكتور سعود عقل 
انتشرت ظاهرة في السنوات الأخيرة  في كل مناسبة اجتماعية أو رسمية أو حتى دينية،  لفئة معينة من البشر. لا يأتون للمشاركة أو الاحتفاء أو حتى العزاء، بل يتصدرون كراسي القاعات كأنهم يفتتحون احتفالاً خاصاً  بهم، يتجهون مباشرة إلى الصف الأول، يدفعون بلطف (أو بدون) من يسبقهم، ويجلسون في المقعد الذي يبدو مصمماً خصيصاً لهم. ثم لا يتحركون من اماكنهم حتى لقضاء حوائجهم إلا بحجز ذلك الكرسي بترك مشلحه نيابة عنه ، ثم تبدأ المهمة الحقيقية: بمراقبة الكاميرات.
هؤلاء هم “أبطال المظاهر او  مايسمون بمشايخ الفلاشات”. يعرفون تماماً أين تقف الكاميرا، ومتى تتحرك، وكيف يجب أن يبدو وجههم في اللقطة. ابتسامة مدروسة، رأس مائل بزاوية ، يد مرفوعة في تحية “واثقة”، ونظرة تتردد بين الجمهور والعدسة. إنهم لا يحضرون الحدث، بل يصنعون “صورة” عن أنفسهم. وقد حدثني أحد مشاهير السوشل ميديا بقوله بان منهم  من يطلب  متابعته بالكاميرا من دخوله المحفل حتى يستقر في مقعده في الصف الاول مع حضورة المبكر حتى يتصدر المشهد،مقابل مبلغ من المال يستفيده ذلك المصور، هؤلاء غالباً ما يكونون أشخاصاً يعانون من فراغ داخلي وعقدة النقص يحاولون ملأه بالظهور. المهم أنه يرى في كل مناسبة فرصة ليثبت للآخرين (ولنفسه) أنه مهم. يختارون المقاعد الأمامية لأنها الأقرب إلى المنصة، الأقرب إلى الضوء، والأقرب إلى عيون الآخرين.
يرفضون الجلوس في الخلف لأن “الخلف للصغار ”، كما يقولون في قرارة أنفسهم. وإذا اضطروا لذلك يوماً، ستجدهم يتململون ويمدون أعناقهم كالزرافات، يحاولون الدخول في إطار الصورة بأي ثمن.
أبرع ما فيهم هو “الوعي الكاميرائي” وفن مراقبة الكاميرات يعرفون متى يصفقون بحماس زائد، متى يهزون الرأس موافقين،  إذا كان الحدث يُبث مباشرة، فهم يتحولون إلى ممثلين محترفين. يبدلون تعابير الوجه كل ثوانٍ مع  لقطة المتحدث، في الأعراس، يجلسون في منصة العريس  ويحرصون على أن تظهر صورهم  وهم يتوشحون المشالح  ويشاركون في العرضات والشيلات الخاصة بتلك المناسبة ،وفي الجانب النفسي والاجتماعي يوهمون الآخرين بانهم مهمين من خلال السباق الى المقاعد الاولى في المناسبات ، ليتكون انطباع عام امام العوام بانهم مهمين حقاً.هذه الظاهرة ليست جديدة، لكن وسائل التواصل جعلتها وباءً. كل صورة سيلفي أمامية أو فيديو ستوري يعزز الوهم بأن “الوجود الأمامي أهمية”. ينسى هؤلاء أن المقعد الأمامي لا يعني شيئاً إذا كان خلفه فراغ. الكبار حقاً يثقون بأنفسهم لذلك نجدهم يفسحون المجال لكبار السن وأصحاب المكانة الحقيقية وينزلون الناس منازلهم ، فقد سمعت برواية عن شيخ شمل قبيلة عنزة الشيخ محروت  بن هذال بانه حضر في أحد زياراته للسعودية  للسلام على  الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله ،وعندما دخل الديوان  وجد المجلس ملئ  بالحضور كالعادة ، واذا بأحد الرجال الذي كان يجلس بالقرب من الأمير سلطان ينهض من مقعده ويترك المكان للشيخ  محروت  مع العلم بانه لا يعرفه ، وعندما سأل الشيخ الهذال عن من افسح له المجال وترك كرسيه تقديراً له ،اخُبر بانه فيصل  الدويش شيخ قبيلة مطير . هذا فعل كبار القوم والواثقين من انفسهم. المحتوى الحقيقي للشخصية يظهر في افعاله وليس في مقاعده الخلفية او الأمامية كما يضن بعض الناس،فمن يساعد بهدوء، ومن يستمع بصدق، ومن يبذل جهداً دون أن ينتظر كاميرا.فهو الكبير الحقيقي .
ولكن للأسف في مجتمعاتنا، أصبحت المظاهر عبئاً. فالأسر  تتنافس في التفاخر بالمناسبات، والأفراد يتنافسون في التصدر امام الكامرات . والنتيجة؟ مجتمع يقيس القيمة باللقطة لا بالفعل، بالمظهر لا بالجوهر.
دعوة للتأمل: المرة القادمة التي تحضر فيها مناسبة، راقب هؤلاء “القوم”. ثم اسأل نفسك: هل أنت واحد منهم؟ هل تبحث عن المقعد الأمامي لتشعر بقيمتك، أم تجلس حيث تستطيع أن تكون مفيداً حقاً؟
الأهمية الحقيقية لا تحتاج كاميرا، ولا مقعداً أمامياً. تظهر في الصمت، في العمل الدؤوب، في التواضع الذي لا يحتاج إعلاناً. أما من يراقبون الكاميرات باستمرار، فغالباً ما ينسون أن يراقبوا أنفسهم.