النهار

١٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       3025

بقلم - د. علي  بن  عالي  السعدوني
في بعض المدارس الأهلية لم تعد الدرجة الدراسية شاهدًا صادقًا على مستوى الطالب، وإنما أصبحت في حالات كثيرة أداة سهلة لشراء رضا ولي الأمر وصناعة صورة براقة للمؤسسة التعليمية، حتى غدا التفوق رقمًا يُمنح أكثر مما يُستحق، وأصبح الطالب المجتهد الذي يسهر الليالي بين كتبه لا يرى المسافة العادلة بينه وبين من اعتاد الاتكاء على الحد الأدنى من الجهد، فتتساوى الأقدام في نهاية الطريق رغم اختلاف المسير، ويضيع الجوهر العادل للانصاف التربوي الذي تقوم عليه رسالة التعليم.
المشهد الأكثر خطورة لا يتمثل في ارتفاع الدرجات وحده، وإنما في اختزال المقررات العلمية في ملخصات محدودة لا تتجاوز ورقتين أو ثلاثًا، ثم تقديمها للطالب وكأنها خلاصة العلم ومفتاح النجاح، فينشأ عقل تعليمي هش يتعامل مع المعرفة بوصفها عبورًا سريعًا نحو اختبار قصير، لا مشروعًا ممتدًا لبناء الفهم والقدرة والتحليل، فيتراجع التفكير العميق، وتضعف ملكة الاستنباط، ويعتاد الطالب ثقافة النجاة المؤقتة بدل ثقافة التكوين الحقيقي، حتى يصبح النجاح مجرد ورقة تحمل نسبة مرتفعة لا عقلًا يحمل كفاءة راسخة.
ولا تقف المشكلة عند حدود الدرجات والاختبارات فقط، وإنما تمتد إلى ظاهرة الغياب المتكرر التي أصبحت مشهدًا مألوفًا في بعض المدارس الأهلية، حتى إن بعض الطلاب لا تكاد تراهم المدرسة طوال العام إلا في أيام الاختبارات، سواء في أعمال السنة أو الاختبارات الفصلية، وكأن الحضور الدراسي لم يعد جزءًا من العملية التعليمية، وإنما مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه، وهذه الصورة تزرع في ذهن الطالب أن النجاح لا يحتاج إلى التزام يومي ولا ارتباط حقيقي بالفصل الدراسي، فيضعف احترام النظام، وتتراجع قيمة الانضباط، وتتحول المدرسة من بيئة بناء معرفي إلى محطة موسمية لعبور الشهادة.
هذه الممارسة لا تظلم الطالب المجتهد فقط، وإنما تصنع ظلمًا أكبر للوطن نفسه، فالدولة حين تدعم التعليم الأهلي وتضخ فيه الأموال وتمنحه الثقة باعتباره شريكًا في بناء الإنسان السعودي، فإنها تنتظر مخرجات حقيقية تليق بحجم هذا الاستثمار، لا أرقامًا متضخمة تخفي خلفها ضعفًا معرفيًا يتكشف لاحقًا في الجامعات وسوق العمل، حيث تسقط المجاملات سريعًا، وتظهر الفجوة بين الشهادة والقدرة، وبين المعدل المرتفع والمهارة الحقيقية، وحينها يدفع الطالب وحده ثمن سنوات طويلة من التسهيل غير المنضبط.
الطالب المتفوق حين يرى أن اجتهاده الطويل لا يمنحه فارقًا حقيقيًا، وأن الدرجة يمكن أن تُمنح بالسهولة نفسها لمن لم يحمل الجهد ذاته، تبدأ دافعيته في التراجع، ويشعر أن منظومة التعليم لا تكافئ الاستحقاق بقدر ما تكافئ المظهر الخارجي للنتائج، وهذه أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى جيل يُفترض أن يُربى على قيمة العمل والانضباط والعدالة.
لهذا فإن الحاجة أصبحت ملحّة إلى أن تتولى هيئة تقويم التعليم والتدريب عبر مراكز القياس الإشراف المباشر على اختبارات المرحلة الثانوية، بحيث تُعد الأسئلة وفق معايير دقيقة ومحكمة شبيهة باختبارات نافس، بعيدة عن تأثير المدارس ورغبتها في رفع نسب النجاح، ثم تُصحح هذه الاختبارات داخل مراكز القياس من خلال لجان متخصصة تضمن العدالة بين جميع الطلاب، حتى تعود الدرجة إلى معناها الحقيقي بوصفها نتيجة استحقاق لا نتيجة تساهل.
وفي الوقت نفسه تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز إشراف تربوي متخصص لمتابعة المدارس الأهلية في جميع الجوانب، لا يقتصر دوره على الزيارات الشكلية أو التقارير الورقية، وإنما يمتد إلى مراقبة الانضباط المدرسي، ومتابعة نسب الغياب، ومستوى الاختبارات، وعدالة توزيع الدرجات، وكفاءة المعلمين، وصلاحية القيادات المدرسية، ومدى التزام المدرسة برسالتها التربوية قبل اهتمامها بالمظهر التسويقي، فبعض المدارس تحتاج إلى تقويم مهني حازم يعيدها إلى مسارها الحقيقي.
وجود مركز القياس في الاختبارات، ومركز إشراف تربوي في المتابعة اليومية، لا يحمل معنى التشكيك في المدارس الأهلية، وإنما يحمل معنى حماية التعليم من الانزلاق نحو المجاملة، وحماية الطالب من الوهم المبكر، وحماية الوطن من مخرجات ظاهرها القوة وحقيقتها الضعف، فالتعليم لا يُقاس بعدد المتفوقين على الورق، وإنما بعدد القادرين على مواجهة الحياة بعقول تعرف كيف تفكر وكيف تنتج وكيف تتحمل مسؤولية المستقبل.
حين تستعيد الدرجة هيبتها، ويعود الحضور قيمة لا إجراء شكليًا، وتصبح المدرسة مساحة انضباط ومعرفة لا مجرد بوابة لشهادة مرتفعة، يستعيد التعليم رسالته الحقيقية، ويعود مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان لا محطة مؤقتة لصناعة نسب جميلة تفقد قيمتها عند أول اختبار صادق خارج أسوار المدرسة.
 د. علي  بن  عالي  السعدوني.