النهار
بقلم - جمعان الكرت
ليس لديّ إحصائية دقيقة عن عدد اليمنيين المغتربين في المملكة العربية السعودية، لكن المؤكد أنهم كُثُر؛ يعملون بجدّ، ويكدحون بصمت، ويبنون لأنفسهم ولأسرهم حياة كريمة، ينالون استحقاقاتهم كاملة غير منقوصة، بعرق الجهد وشرف العمل.
هم أشقاء في العروبة، يجمعنا معهم دين واحد، ولغة واحدة، وتاريخ طويل من الجوار والتداخل الإنساني.
ذلك التعامل الإنساني النبيل بين السعوديين واليمنيين لم يكن وليد ظرف عابر، بل هو امتداد طبيعي لقيم راسخة: الجيرة، والشهامة، والأخلاق العربية الأصيلة، وتعاليم الدين الإسلامي التي تدعو إلى العدل والإحسان وصون الكرامة الإنسانية.
ما دعاني لكتابة هذه المقالة مشهد بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته؛ حين شاهدت مقطعًا لأب يمني مغترب في السعودية، يتواصل مع ابنه —الذي يدرس في المرحلة الابتدائية في إحدى مدارس اليمن— عبر الاتصال المرئي.
كان الأب يحلم أن يرى ابنه مهندسًا، فجاء رد الابن عفويًا مفعمًا بالأمل: “أريد أن أكون مهندسًا معماريًا”. في تلك اللحظة، يتجلّى المعنى الحقيقي للاغتراب؛ ليس مجرد بُعد عن الوطن، بل تضحية يومية من أجل مستقبل الأبناء.
وتوفير لقمة العيش لأسرته . كما أن طموح الابن البناء والتعمير وليس الهدم والتدمير .
هذا الأب نموذج لآلاف الآباء الذين اختاروا أن يغتربوا ليصنعوا الأمل لعائلاتهم، في بلد وفّر لهم بيئة عمل آمنة، وفرصًا للحياة الكريمة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل، إذ نجد أن اليمنيين في المملكة العربية السعودية يشكّلون حضورًا فاعلًا في سوق العمل، بينما لا يُكاد يُذكر وجود مغتربين يمنيين في إيران، إلا في نطاق محدود جدًا.
ومن هنا تطفح الاسئلة إلى السطح : لماذا ينجذب بعض اليمنيين إلى خطابات أيديولوجية لا تعود عليهم بالنفع، بل قد تُغيب وعيهم عن التمييز بين ما يخدم مصالحهم وما يضرّ بها؟ إن الفكر المؤدلج حين يتغلغل في العقول، قد يعمي البصيرة، ويخلق فجوة بين الواقع والمأمول.
لقد نشأت بعض التيارات -ومنها الفكر الحوثي- في بيئة معقدة، واستغلت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتفرض حضورها السياسي ، لكنها في نهاية المطاف لم تُقدّم نموذجًا يُحقق الاستقرار أو التنمية، بل أسهمت في تعميق الأزمات، واختلال الأمن، وتضييق سُبل العيش على المواطنين اليمنيين .
وفي المقابل، بدأت تتكشف لكثير من اليمنيين حقيقة تلك الخطط وأصبح الوعي يتنامى تجاه من يقف معهم بصدق، ومن يستثمر في معاناتهم لتحقيق مصالحه الخاصة.
فالدول التي تعاملت مع اليمن بصدق وأخوة عربية، قدّمت الدعم والمساندة، وسعت إلى استقرار الإنسان وتنمية المكان قبل أي شيء.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح اليمنيون في استعادة زمام المبادرة، والوقوف في وجه من استغل معاناتهم، وعبث بمقدراتهم، وأدخلهم في دوامة من الأزمات؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من وعي حقيقي، وإدراك صادق للمصالح، وتمسّك بجذور الهوية العربية والإسلامية التي تجمع ولا تفرّق..