بقلم-د. طارق بن حزام
قد يطيل الإنسان الوقوف عند مشهد انتصار العدالة، حين تُسطَّر الأحكام وتُنفَّذ العقوبات، فيخال أن ميزان الإنصاف قد اعتدل، وأن كل ذي حقٍّ قد استوفى حقه. غير أن سؤالاً قلقاً يتسرّب إلى أعماق النفس: ماذا عن تلك الجرائم التي لا تُرى؟ تلك التي تُرتكب في الظلّ، فلا يشهدها شاهد، ولا يُثبتها دليل، ولا تبلغ منصّات القضاء؟ أين تمضي آثارها؟ ومن يضمّد كسورها؟ وهل كل ما أفلت من سلطان القانون يُعدّ بريئاً في ميزان السماء؟
إنها جرائم خفيّة، لا تترك خدشاً على الجدران، ولا تُقيَّد في دفاتر المحاكم، لكنها تخلّف في الأرواح ندوباً غائرة، وتُحدث في العلاقات شقوقاً صامتة. جرائم يُحسن أصحابها التخفّي، فيتزيّنون بلباس المروءة، ويتقنّعون بسمت المصلحين ، فيما تُخفي الصدور ما تعجز الوجوه عن البوح به.
تلك النفوس التي تُجيد التجمّل بالمظهر، قد تضطرم في دخائلها نيران الغيرة، أو يتوارى فيها حسدٌ لا يهدأ، أو حقدٌ يتغذّى على طول الصمت. جرائم تتحرّك في الخفاء ببرودةٍ محسوبة؛ لا لتبني بل لتهدم، ولا لتُصلح بل لتُفسد، دون أن تترك أثراً يُدان.
وما أعظم خطر هذه الجرائم؛ إذ يغيب فاعلها ويستتر مصدرها، فيبقى المظلوم تائهاً بين وجعٍ لا يُفسَّر، وخصمٍ لا يُعرَف.
ومن صورها الموجعة: إشاعةٌ تُطلَق فتلوّث سيرة إنسان، وكلمةٌ تُغرس فتفرّق بين قلبين، وهمسةٌ تُلقى فتُشعل العداوة بين الإخوة، ووشايةٌ تُدبَّر فتُسقط ثقة، أو تُفسد شراكة، أو تنال من كرامة. فتنٌ تُوقد في الخفاء، ثم تمتدّ ألسنة لهيبها في العلن، فتأكل الأخضر واليابس.
والمؤلم أن بعض من يُجيد هذا العبث الخفي قد يكون قريباً… أو صديقاً يُحسن ارتداء الودّ، ويُخفي خلف ابتسامته خنجراً بارداً، لا يتردّد في الطعن حين تستيقظ الغيرة أو يستبدّ به تنافسٌ مريض. وصدق القائل:
لا خير في ودّ امرئٍ متملّقٍ
حلوِ اللسانِ وقلبُه يتلهّبُ
يُعطيك من طرف اللسان حلاوةً
ويروغُ منك كما يروغُ الثعلبُ
وليست الجريمة دائماً فعلاً صاخباً ظاهراً؛ فقد تكون صمتاً في موضعٍ يوجب البيان، أو تقاعساً حين يتعيّن النهوض. إنه ذلك “الإجرام الصامت” الذي يُمارَس حين يرى الإنسان الظلم، ويملك القدرة على دفعه، ثم يختار العجز أو يلوذ بالصمت، أو يتذرّع بأعذارٍ واهية.
فكم من حقٍّ ضاع لأن شاهداً كتم الحقيقة، وكم من مظلومٍ سُحقت سمعته لأن من يعلم براءته آثر السكوت، وكم من روحٍ كان يمكن إنقاذها لو تحرّك ضميرٌ في أوانه. إن الامتناع عن نصرة الملهوف، أو ردّ العدوان، أو إنقاذ المكلوم – مع القدرة – ليس حياداً، بل لونٌ من ألوان الجُرم، وإن بدا في صورة سكون.
ومع تسارع التقنية، اتّسعت رقعة هذه الجرائم وازدادت خفاءً؛ فلم تعد تحتاج إلى مواجهة، بل يكفي زرّ يُضغط، أو صورة تُفبرك، أو رسالة تُبثّ من وراء ستار. فكم من سمعةٍ شُوّهت بلقطةٍ مزيفة، وكم من قلبٍ كُسر بكلمةٍ مجهولة، وكم من إنسانٍ ناله الأذى من “مزحة” لم تكن إلا قسوةً مغلّفة بالضحك.
وهنا يبرز السؤال الأكبر: إذا عجز القانون عن ملاحقة هذه الجرائم الخفيّة، فهل يُترك المظلوم فريسةً لها؟ وهل يُترك الألم بلا إنصاف؟
إن الجواب لا تقف حدوده عند نصوص القوانين، بل يمتدّ إلى يقظة الضمير، وإلى إيمانٍ راسخ بأن هناك عدالةً لا تغيب. فإذا خفَتَ الرادع الخارجي، استيقظ في النفس رادعٌ أعمق: ضميرٌ حيّ، وخشيةٌ من الله لا تخبو. ومن لم يوقظه يقينُه بأن كل خافيةٍ منكشفة، وكل سريرةٍ معلومة، فمتى يفيق؟ ومتى يؤوب؟ يوم لا ينفع الندم.
إن العدالة الحقيقية تبدأ من داخل الإنسان؛ من رقابةٍ لا تنام، ومن شعورٍ دائم بأن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه يمهل ولا يُهمل.
وإن أخوف ما يُخاف: دعوة مظلومٍ لا تبلغ قاعات المحاكم، لكنها تشقّ طريقها إلى السماء؛ لا يحجبها حاجب، ولا يردّها مانع. دعوةٌ تُرفع فوق الغمام، وتُفتح لها أبواب السماء، ويُقسم الله بنصرتها ولو بعد حين… وحينها، لا يفلت جُرمٌ من الحساب، ولا ينجو ظالمٌ من القصاص.